وانتصب دائبين على الحال والمعنى: يدأبان في سيرهما وإنارتهما وإصلاحهما ما يصلحان من الأرض والأبدان والنبات ، عن مقاتل بن حبان يرفعه إلى ابن عباس أنه قال: معناه دائبين في طاعة الله.
قال ابن عطية: وهذا قول إن كان يراد به أنّ الطاعة انقياد منهما في التسخير ، فذلك موجود في قوله: سخر ، وإن كان يراد أنها طاعة مقصودة كطاعة العبادة من البشر فهذا جيد ، والله أعلم انتهى.
وتسخير الليل والنهار كونهما يتعاقبان خلفةً للمنام والمعاش.
وقال المتكلمون: تسخير الليل والنهار مجاز ، لأنّهما عرضان ، والاعراض لا تسخر.
ولما ذكر تعالى تلك النعم العظيمة ، ذكر أنه لم يقتصر عليها فقال: وآتاكم من كل ما سألتموه ، والخطاب للجنس من البشر أي: أن الإنسان قد أوتي من كل ما شأن أنْ يسأل وينتفع به ، ولا يطرد هذا في كل واحد واحد من الناس ، وإنما تفرقت هذه النعم في البشر فيقال: بحسب هذا الجميع أوتيتم كذا على جهة التقرير للنعمة.
وقرأ ابن عباس ، والضحاك ، والحسن ، ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، وعمرو بن قائد ، وقتادة ، وسلام ، ويعقوب ، ونافع في رواية: من كل بالتنوين ، أي: من كل هذه المخلوقات المذكورات.
وما موصولة مفعول ثان أي: ما شأنه أن يسأل بمعنى يطلب الانتفاع به.
وقيل: ما نافية ، والمفعول الثاني هو من كل كقوله: {وأوتيت من كل شيء } أي غير سائليه.
أخبر بسبوغ نعمته عليهم بما لم يسألوه من النعم ، ولم يعرض لما سألوه.
والجملة المنفية في موضع نصب على الحال ، وهذا القول بدأ به الزمخشري ، وثنى به ابن عطية وقال: إنه تفسير الضحاك.
وهذا التفسير يظهر أنه مناف لقراءة الجمهور من كل ما سألتموه بالإضافة ، لأنّ في تلك القراءة على ذلك التخريج تكون ما نافية ، فيكونون لم يسألوه.
وفي هذه القراءة يكونون قد سألوه ، وما بمعنى الذي.
وأجيز أن تكون مصدرية ، ويكون المصدر بمعنى المفعول.