وقوله: {لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} خصها من جملة الدين، لفضلها فيه، ومكانتها منه، وهي عهد الله عند العباد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خمس صلوات كتبهن الله على عباده في اليوم والليلة، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة) . رواه مسلم في صحيحه.
ثم حكى كتاب الله جزءا آخر من قصة إبراهيم في مرحلة لاحقة، وفي هذا الجزء ورد ذكر ولديه إسماعيل وإسحاق، والإشارة إلى فرحه بهما، وشكره لله عليهما، وقد كان إسماعيل أكبر سنا من أخيه، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} .
وسجل كتاب الله الدعاء الإبراهيمي الذي يعتبر نموذجا للدعاء الصالح بالنسبة لكل مؤمن، فقال تعالى حكاية لدعاء إبراهيم {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} . وها هنا نجد إبراهيم عليه السلام يحصر دعاءه للمرة الثانية في إقامة الصلاة التي هي عماد الدين، كما حصره فيها في المرة الأولى إذ قال: {رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} ، ونجده يدعو لذريته ووالديه
والمؤمنين، وهكذا ينبغي لكل داع أن لا يخص نفسه بالدعاء، بل أن يدعو لنفسه ووالديه وذريته وكل من له حق عليه، وأن يدعو لكافة المؤمنين.
وقد نبه علماء التفسير في هذا المقام إلى أن دعاء إبراهيم لوالديه معا حسبما ورد في هذه الآية كان سابقا على معرفته بما سيستقر عليه أمر والده، وإلى ذلك يشير قوله تعالى في سورة التوبة {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [الآية: 114] .
وقوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} إلى آخر الآية، تنبيه عام من الله تعالى موجه لكل ذي عقل وبصيرة من عموم الناس، إلى أن الله تعالى إذا أمهل الظالمين فإنه لا يهملهم، إذ إليه يرجعون، وسيعاقبهم على ما يعملون.