ثم استعرض كتاب الله جملة من بدائع الصنع الإلهي في العالم العلوي والعالم السفلي، مذكرا بما انطوت عليه من نعم كبرى سخرها للإنسان، داعيا إياه إلى التأمل في عجائبها وتدبر آياتها، إذ كلها دلائل ناطقة بوجوده وقدرته، وعلمه وحكمته، ومظاهر بارزة لإحسانه ورحمته، فقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} والمراد بقوله تعالى هنا {دَائِبَيْنِ} أن الشمس والقمر يتعاقبان باستمرار، فلا يفتران في سيرهما، ولا يتوقفان عن حركتهما، وذلك مما يتفق كل الاتفاق وينسجم كل الانسجام مع ما تتوقف عليه حياة الإنسان والحيوان والنبات، ومصالح الأحياء جميعا فوق سطح الأرض.
وامتن سبحانه وتعالى على الإنسان امتنانا خاصا بما أكرمه به من جميع النعم، التي يتوقف عليها في تصرفاته، الضرورية والحاجية والكمالية، سواء في ذلك ما سأله منها بلسان المقال،
وما سأله منها بلسان الحال، مبينا أن نعم الله لكثرتها وتنوعها لا يستطيع أن يعدها عاد، بل هنالك نعم إلهية خفية ودقيقة تخفى حتى عن أدق الأفكار، لأنها من باب اللطف الخفي، فلا يهتدي إليها علم الإنسان المحدود، ولا سبيل لإدراكها فضلا عن إدراجها تحت العد والمعدود، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} .
ثم عقب كتاب الله على ذلك كله بما يكون عليه حال الإنسان، الفاقد للإيمان، من ظلم في حق الله، بالشرك به، وظلم في حق نفسه، بالكفر بالله، وظلم للخلق، بتعدي حدود الله، فقال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} .