وبهذا نرى أن الله - تعالى - قد وصف هذه الشجرة بأربع صفات، أولها: أنها طيبة، وثانيها: أن أصلها ثابت، وثالثها: أن فرعها في السماء، ورابعها: أنها تؤتى ثمارها كل حين بإذن ربها.
وهذه الأوصاف تدل على فخامة شأنها، وجمال منظرها، وطيب ثمرها، ودوام نفعها كما تدل على أن المشبه وهو الكلمة الطيبة، مطابق في هذه الأوصاف للمشبه به وهو الشجرة الطيبة.
وقوله - سبحانه - وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ بيان للحكمة التي
من أجلها سيقت الأمثال، وهي التذكر والتفكير والاعتبار. أي: ويضرب الله - تعالى - الأمثال للناس رجاء أن يعتبروا ويتعظوا ويتذكروا ما أمرهم - سبحانه - بتذكره إذ ضرب الأمثال تقريب للبعيد، وتقرير للقريب، وتصوير للمعاني المعقولة بالصور المحسوسة.
وبعد أن بين - سبحانه - مثال كلمة الإيمان، أتبعه بمثال كلمة الكفر فقال: وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ وهي كلمة الكفر.
كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ أي قبيحة لا نفع فيها، ولا خير يرجى منها.
اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ أي: اقتلعت جثتها وهيئتها من فوق الأرض، لقرب عروقها وجذورها من سطحها.
يقال: اجتثثت الشيء اجتثاثا، إذا اقتلعته واستأصلته، وهو افتعال من لفظ الجثة وهي ذات الشيء .
وقوله: ما لَها مِنْ قَرارٍ تأكيد لمعنى الاجتثاث لأن اجتثاث الشيء بسهولة، سببه عدم وجود أصل له.
أي: ليس لها استقرار وثبات على الأرض، وكذلك الكفر لا أصل له ولا فرع، ولا يصعد للكافر عمل، ولا يتقبل منه شيء .
والمراد بهذه الشجرة الخبيثة: شجرة الحنظل فعن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة هي الحنظلة ... » .
وقيل: شجرة الثوم، وقيل: شجرة الشوك ... وقيل كل شجر لا يطيب له ثمر، وفي رواية عن ابن عباس أنها شجرة لم تخلق على الأرض ...
وقال: ابن عطية: الظاهر أن التشبيه وقع بشجرة غير معينة جامعة لتلك الأوصاف التي وصفها الله بها.
وقوله سبحانه -: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ بيان لفضل الله - تعالى - على هؤلاء المؤمنين، ولحسن عاقبتهم ..