والاستفهام في قوله - سبحانه - فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ للتقريع والتفجع.
ومغنون من الإغناء بمعنى الدفاع والنصرة.
قال الشوكاني: «يقال: أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى، وأغناه إذا أوصل إليه النفع» .
أي: فهل أنتم - أيها المستكبرون - دافعون عنا شيئا من عذاب الله النازل بنا، حتى ولو كان هذا الشيء المدفوع قليلا؟ إن كان في إمكانكم ذلك فأظهروه لنا، فقد كنتم في الدنيا سادتنا وكبراءنا، وكنتم تزعمون أنكم أصحاب الحظوة يوم القيامة.
قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: أي فرق بين «من» في «من عذاب الله» وبينه في «من شيء » ؟
قلت: الأولى للتبيين، والثانية للتبعيض، كأنه قيل: هل أنتم مغنون عنا بعض الشيء
الذي هو عذاب الله؟ ويجوز أن يكونا للتبعيض معا بمعنى: هل أنتم مغنون عنا بعض شيء ، هو بعض عذاب الله؟ أي: بعض بعض عذاب الله».
ثم حكى - سبحانه - رد المستكبرين على المستضعفين فقال: قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ ...
أي: قال المستكبرون - بضيق وتحسر - في ردهم على المستضعفين: لو هدانا الله - تعالى - إلى الإيمان الموصل إلى النجاة من هذا العذاب الأليم «لهديناكم» إليه، ولكن ضللنا عنه وأضللناكم معنا، واخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا، ولو كنا نستطيع النفع لنفعنا أنفسنا.
ثم أضافوا إلى ذلك قولهم: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ.
والجزع: حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده لشدة اضطرابه وذهوله.
يقال: جزع فلان يجزع جزعا وجزوعا، إذا ضعف عن حمل ما نزل به ولم يجد صبرا.
والمحيص: المهرب والمنجى من العذاب. يقال: حاص فلان عن الشيء يحيص حيصا ومحيصا، إذا عدل عنه على جهة الهرب والفرار.
أي: مستو عندنا الجزع مما نحن فيه من عذاب، والصبر على ذلك، وليس لنا من مهرب أو منجى من هذا المصير الأليم.
فالآية الكريمة تحكى أقوال الضعفاء يوم القيامة، وهي أقوال يبدو فيها طابع الذلة والمهانة كما هو شأنهم في الدنيا، كما تحكى رد المستكبرين عليهم، وهو رد يبدو فيه التبرم والتفجع والتأنيب من طرف خفى لهؤلاء الضعفاء، والتسليم بالواقع الأليم الذي لا محيص لهم عنه.