ردوا أيديهم في أفواههم كما يفعل من يريد تمويج الصوت ليسمع عن بعد ، بتحريك كفه أمام فمه وهو يرفع صوته ذهاباً وإياباً فيتموج الصوت ويُسمع. يرسم السياق هذه الحركة التي تدل على جهرهم بالتكذيب والشك ، وإفحاشهم في هذا الجهر ، وإتيانهم بهذه الحركة الغليظة التي لا أدب فيها ولا ذوق ، إمعاناً منهم في الجهر بالكفر.
ولما كان الذي يدعوهم إليه رسلهم هو الاعتقاد بألوهية الله وحده ، وربوبيته للبشر بلا شريك من عباده.
.فإن الشك في هذه الحقيقة الناطقة التي تدركها الفطرة ، وتدل عليها آيات الله المبثوثة في ظاهر الكون المتجلية في صفحاته ، يبدو مستنكراً قبيحاً. وقد استنكر الرسل هذا الشك. والسماوات والأرض شاهدان.
{قالت رسلهم: أفي الله شك فاطر السماوات والأرض؟} ..
أفي الله شك والسماوات والأرض تنطقان للفطرة بأن الله أبدعهما أبداعاً وأنشأهما إنشاء؟ قالت رسلهم هذا القول ، لأن السماوات والأرض آيتان هائلتان بارزتان ، فمجرد الإشارة إليهما يكفي ، ويرد الشارد إلى الرشد سريعاً ، ولم يزيدوا على الإشارة لأنها وحدها تكفي ؛ ثم أخذوا يعددون نعم الله على البشر في دعوتهم إلى الإيمان ، وفي إمهالهم إلى أجل يتدبرون فيه ويتقون العذاب:
{أفي الله شك فاطر السماوات والأرض. يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم} .
والدعوة أصلاً دعوة إلى الإيمان ، المؤدي إلى المغفرة. ولكن السياق يجعل الدعوة مباشرة للمغفرة ، لتتجلى نعمة الله ومنته. وعندئذٍ يبدو عجيباً أن يدعى قوم إلى المغفرة فيكون هذا تلقيهم للدعوة!
{يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم} .. {ويؤخركم إلى أجل مسمى} ..