والمقصود أن القلب متى كان على الحق كان أعظم لطمأنينته ووثوقه بأن الله وليه وناصره وسكونه إليه، فما له أن لا يتوكل على ربه؟ وإذا كان على الباطل علماً وعملاً أو أحدهما لم يكن مطمئناً واثقاً بربه فإنه لا ضمان له عليه، ولا عهد له عنده، فإن الله سبحانه لا يتولى الباطل ولا ينصره، ولا ينسب إليه بوجه، فهو منقطع النسب إليه بالكلية، فإنه سبحانه هو الحق، وقوله الحق، ودينه الحق ووعده حق، ولقاؤه حق، وفعله كله حق.
ليس في أفعاله شيء باطل، بل أفعاله سبحانه بريئة من الباطل، كما أقواله سبحانه كذلك، فلما كان الباطل لا يتعلق به سبحانه، بل هو مقطوع عليه ألبتة كان صاحبه كذلك. ومن لم يكن له تعلق بالله العظيم، وكان منقطعاً عن ربه لم يكن الله وليه ولا ناصره ولا وكيله.
فتدبر هذا السر العظيم في اقتران التوكل والكفاية بالحق والهدى وارتباط أحدهما بالآخر، لو لم يكن في هذه الرسالة إلا هذه الفائدة السرية لكانت حقيقة أن تودع في خزانة القلب، لشدة الحاجة إليها. والله المستعان وعليه التكلان
فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها منزلة الجسد من الرأْس، فكما لا يقوم الرأْس إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل. والله أعلم. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...