فَائِدَةَ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا، وَالْوَاجِبُ الْجِدُّ وَالِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِ الدِّينِ، وَالْوَاجِبُ عَلَى مَنْ عَرَفَ هَذَا أَنْ يَكُونَ خَائِفًا وَجِلًا فَيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لَهُ هَذَا إِذَا قُرِئَ بِالتَّاءِ أَمَّا إِذَا قُرِئَ بِالنُّونِ فَلَا شُبْهَةَ فِيهِ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: أَوَلَمْ نُبَيِّنْ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا بَيَّنَ لَهُمْ تَبَيَّنُوهُ.
(وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ(46)
قَوْلُهُ: (وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ)
فِيهِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمَكْرُ مُضَافًا إِلَى الْفَاعِلِ كَالْأَوَّلِ.
وَالْمَعْنَى: وَمَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ فَهُوَ يُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ بِمَكْرٍ هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَكْرُ مُضَافًا إِلَى الْمَفْعُولِ، وَالْمَعْنَى: وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمُ الَّذِي يَمْكُرُ بِهِمْ وَهُوَ عَذَابُهُمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ يَأْتِيهِمْ بِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ وَلَا يَحْتَسِبُونَ.
قوله تَعَالَى: (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ)
قَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَحْدَهُ (لَتَزُولُ) بِفَتْحِ اللَّامِ الْأُولَى وَرَفْعِ اللَّامِ الْأُخْرَى مِنْهُ، وَالْبَاقُونَ بِكَسْرِ الْأُولَى وَنَصْبِ الثَّانِيَةِ.
أَمَّا الْقِرَاءَةُ الْأُولَى: فَمَعْنَاهَا أَنَّ مَكْرَهُمْ كَانَ مُعَدًّا لِأَنْ تَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ الْإِخْبَارَ عَنْ وُقُوعِهِ، بَلِ التَّعْظِيمَ وَالتَّهْوِيلَ وَهُوَ كَقَوْلِهِ: (تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ) [مَرْيَمَ: 90] .
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الثَّانِيَةُ: فَالْمَعْنَى: أَنَّ لَفْظَ «إِنْ» فِي قَوْلِهِ (وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ) بِمَعْنَى «مَا» وَاللَّامُ الْمَكْسُورَةُ بَعْدَهَا يَعْنِي بِهَا الْجَحْدَ وَمِنْ سَبِيلِهَا نَصْبُ الْفِعْلِ الْمُسْتَقْبَلِ.
وَالنَّحْوِيُّونَ يُسَمُّونَهَا لَامَ الْجَحْدِ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تعالى: (وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) [آلِ عِمْرَانَ: 179] (مَا كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ) [آلِ عمران: 179]