وَأَقُولُ مِنَ النَّاسِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ عَلَى الدَّلَائِلِ الدَّقِيقَةِ فَالْفِطْرَةُ شَاهِدَةٌ بِوُجُودِ الصَّانِعِ الْمُخْتَارِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ الْأَوَّلِيَّةَ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ وُجُوهٌ: الوجه الْأَوَّلُ: قَالَ بَعْضُ الْعُقَلَاءِ: إِنَّ مَنْ لَطَمَ عَلَى وَجْهِ صَبِيٍّ لَطْمَةً فَتِلْكَ اللَّطْمَةُ تدل عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ الْمُخْتَارِ، فَلِأَنَّ الصَّبِيَّ الْعَاقِلَ إِذَا وَقَعَتِ اللَّطْمَةُ عَلَى وَجْهِهِ يَصِيحُ وَيَقُولُ: مَنِ الَّذِي ضَرَبَنِي وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّ شَهَادَةَ فِطْرَتِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّطْمَةَ لَمَّا حَدَثَتْ بَعْدَ عَدَمِهَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُدُوثُهَا لِأَجْلِ فَاعِلٍ فَعَلَهَا، وَلِأَجْلِ مُخْتَارٍ أَدْخَلَهَا فِي الْوُجُودِ فَلَمَّا شَهِدَتِ الْفِطْرَةُ الْأَصْلِيَّةُ بِافْتِقَارِ ذَلِكَ الْحَادِثِ مَعَ قِلَّتِهِ وَحَقَارَتِهِ إِلَى الْفَاعِلِ فَبِأَنْ تَشْهَدَ بِافْتِقَارِ جَمِيعِ حَوَادِثِ الْعَالَمِ إِلَى الْفَاعِلِ كَانَ أَوْلَى، وَأَمَّا دَلَالَتُهَا عَلَى وُجُوبِ التَّكْلِيفِ، فَلِأَنَّ ذَلِكَ الصَّبِيَّ يُنَادِي وَيَصِيحُ وَيَقُولُ: لِمَ ضَرَبَنِي ذَلِكَ الضَّارِبُ؟