المراد مِنْهَا صَفْقَةُ الْبَيْعِ وَالْعَقْدِ كَقوله تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) [الْفَتْحِ: 10] فَالْبَيِّنَاتُ الَّتِي كَانَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ يَذْكُرُونَهَا وَيُقَرِّرُونَهَا نِعَمٌ وَأَيَادٍ، وَأَيْضًا الْعُهُودُ الَّتِي كَانُوا يَأْتُونَ بِهَا مَعَ الْقَوْمِ أيادي وَجَمْعُ الْيَدِ فِي الْعَدَدِ الْقَلِيلِ هُوَ الْأَيْدِي وَفِي الْعَدَدِ الْكَثِيرِ هُوَ الْأَيَادِي، فَثَبَتَ أَنَّ بيانات الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَعُهُودَهُمْ صَحَّ تَسْمِيَتُهَا بِالْأَيْدِي، وَإِذَا كَانَتِ النَّصَائِحُ وَالْعُهُودُ إِنَّمَا تَظْهَرُ مِنَ الْفَمِ فَإِذَا لَمْ تُقْبَلْ صَارَتْ مَرْدُودَةً إِلَى حَيْثُ جَاءَتْ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) [النُّورِ: 15] فَلَمَّا كَانَ الْقَبُولُ تَلَقِّيًا بِالْأَفْوَاهِ عَنِ الْأَفْوَاهِ كَانَ الدَّفْعُ رَدًّا فِي الْأَفْوَاهِ، فَهَذَا تَمَامُ كَلَامِ أَبِي مُسْلِمٍ فِي تَقْرِيرِ هَذَا الوجه.
الوجه الثَّانِي: نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ)
أَنَّهُمْ سَكَتُوا عَنِ الْجَوَابِ يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَمْسَكَ عَنِ الْجَوَابِ، رَدَّ يَدَهُ فِي فِيهِ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ كَلَّمْتُ فُلَانًا فِي حَاجَةٍ فَرَدَّ يَدَهُ فِي فِيهِ إِذَا سَكَتَ عَنْهُ فَلَمْ يُجِبْ، ثُمَّ إِنَّهُ زَيَّفَ هَذَا الوجه وَقَالَ: إِنَّهُمْ أَجَابُوا بِالتَّكْذِيبِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: (إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ) .