يقول: لا أحتاج في ورود الماء إلى دليل يدلني سوى أن أعد برق الغمام فأتبعه كعادة العرب في عدها بروق الغمام ، قال ابن السكيت:
"العرب إذا عدت مائة برقة لم تشك في أنها ماطرة قد سقت فتتبعها على الثقة بالمطر"وقال ابن الإعرابي في النوادر:"العرب كانوا إذا لاح البرق عدوا سبعين برقة فإذا كملت وثقوا بأنه برق ماطر فرحلوا يطلبون موضع الغيث ، وأنشد عمر بن الأعور:"
سقى اللّه جيرانا حمدت جوارهم كراما إذا عدّوا وفوق كرام
يعدون برق المزن في كل مهمه فما رزقهم إلا بروق غمام
ولما كان الأمر المخوف من البرق يجوز وقوعه من أول برقة واحدة أتى ذكر الخوف في الآية مقدما أولا لكون الواحد أول العدد ولما كان الأمر المطمع من البروق إنما يقع بعد عدد من الابراق أتى ذكر الطمع تاليا لكونه لا يقع إلا في أثناء العدد وليكون الطمع ناسخا للخوف كمجيء الرخاء بعد الشدة ، والفرج بعد الكربة ، والمسرة بعد الحزن ، فيكون ذلك أحلى موقعا في القلوب ويشهد لهذا التفسير قوله:
"وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحتمه"فجاء معنى الآية على ما جاء رحمة من اللّه سبحانه بخلقه وبشرى لعباده.
المؤاخاة بين المعاني والمؤاخاة بين المباني
وحيث وصلنا إلى هذا المدى من ترتيب الاقسام يجدر بنا أن نتحدث عن المؤاخاة بين المعاني والمؤاخاة بين المباني وانها سر البيان ونسمة الروح فيه وقد أخذوا على أبي الطيب قوله على أنه آية في الحسن والروعة:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها سرور محب أو مساءة مجرم
فإن المقابلة الصحيحة بن المحب والمبغض لا بين المحب والمجرم وليس كل من أجرم إليك كان مبغضا لك.
وروى أبو الفرج في الأغاني انه اجتمع نصيب والكميت وذو الرمة فأنشد الكميت:
أم هل ظعائن بالعلياء رافعة وإن تكامل فيها الدّلّ والشنب