ولقد كان المشركون في مكة يسمعون النذير، ولا يدركون حكمة الله في إمهالهم إلى حين، فيستعجلون الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالعذاب على سبيل التحدي كما قال سبحانه: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (53) } [العنكبوت: 53] .
وكثيراً ما يكون إمهال الله استدراجاً للظالمين؛ ليزدادوا عتواً وفساداً، أو امتحاناً للمؤمنين؛ ليزدادوا إيماناً وثباتاً، وليتخلف عن صفوفهم من لا يطيق الصبر والثبات، أو استبقاءً لمن يعلم الله سبحانه أن فيهم خيراً من أولئك المنحرفين .. حتى يتبين لهم الرشد من الغي فيثوبوا إلى الهدى، أو استخراجاً لذرية صالحة من ظهورهم تعبد الله وتنحاز إلى حزبه، ولو كان آباؤهم من الضالين، أو لغير هذا وذاك من تدبير الله المستور.
إن أحوال الحياة وأوضاعها مربوطة بأعمال الناس وكسبهم، وإن فساد قلوب الناس وعقائدهم وأعمالهم يوقع في الأرض الفساد، ويملؤها براً وبحراً بهذا
الفساد كما قال سبحانه: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) } [الروم: 41] .
فظهور الفساد هكذا واستعلاؤه، لا يتم عبثاً، ولا يقع مصادفة، وإنما حصل بإذن الله، ليذيقهم بعض الذي عملوا من الشر والفساد حينما يكتوون بناره، لعلهم يرجعون، فيعزمون على مقاومة الفساد، ويرجعون إلى الله وإلى العمل الصالح، وإلى الصراط المستقيم.
والذين كفروا ووقفوا في وجه الحق أن يبلغ إلى الناس، وصدوا الناس عنه بالقوة أو المال أو الخداع، وشاقوا الله ورسوله، وآذوا الرسول في حياته بإعلان الحرب عليه، والمخالفة لما جاء به، والوقوف في غير صفه، أو بعد وفاته بمحاربة دينه وشريعته ومنهجه، ومحاربة المتبعين لسنته، والقائمين على دعوته، وذلك من بعد ما تبين لهم الهدى، وعرفوا أنه الحق، ولكنهم اتبعوا الهوى، وجمح بهم العناد.