فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون، ويُفسد فيها المفسدون، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكر، ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد، فإن سنة الله تحق عليها إما بهلاك الاستئصال، وإما بهلاك الانحلال والاختلال.
إن أصحاب الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له هم صمام الأمان للأمم والشعوب في كل زمان ومكان.
إنهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب، إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب الله، واستحقاق النكال والعقوبة.
وإذا قدر الله لقرية أنها هالكة؛ لأنها أخذت بأسباب الهلاك، فكثر فيها المترفون، فلم تدفعهم ولم تضرب على أيديهم، سلط الله هؤلاء المترفين ففسقوا فيها، وعاثوا في الأرض فساداً، فحقت عليهم سنة الله، وأصابها الهلاك والدمار.
وهي المسئولة عما حل بها؛ لأنها لم تضرب على أيدي المترفين.
فوجود المترفين ذاته هو السبب الذي من أجله سلطهم الله عليها ففسقوا، ولو أخذت عليهم الطريق، فلم تسمح لهم بالظهور فيها، ما استحقت الهلاك، وما
سلط الله عليها من يفسق فيها ويفسد، فيقودها إلى الهلاك كما قال سبحانه: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) } ... [الإسراء: 16] .
والله عزَّ وجلَّ قد جعل للحياة البشرية سنناً لا تتبدل، وحين توجد الأسباب تتبعها النتائج، فتنفذ إرادة الله، وتحق كلمته: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38) } [الأحزاب: 38] .
إن مسئولية الأمة عظيمة، وستتحمل تبعة ترك النظم الفاسدة تنشي آثارها السيئة التي لا مفر منها، وعدم الضرب على أيدي المترفين فيها كي لا يفسقوا فيها، فيحق عليها القول فيدمرها تدميراً.
هذه السنة قد مضت في الأولين من بعد نوح قرناً بعد قرن، كلما فشت الذنوب في أمة انتهت بها إلى ذلك المصير: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17) } [الإسراء: 17] .