-مع الكثرة التي هي البعد عن وراثة الشبه الذي عبر عنه قوله - عز وجل - وبعدها عن
الوحدة، كما قال عز من قائل: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) يعني: آدم
(وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ)
يعني: فيما كانوا فيما قرب من الوحدة مرت تحمل الإسلام والإيمان فَلَمَّا
أَثْقَلَتْ) أي: كثرت الغاشية واتسع النسل وفشا، وذرت الذرية على وجه الأرض
أكلوا من الأرض ومن نباتها ومما يكون عن فيح جهنم - أعاذنا الله الرحيم برحمته
منها - وقوله جلَّ قوله: (دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ(189)
عبارة عن مراد الأبوين الإسلام والصلاح.
(فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا) [...] ألقى عليهما وعلى الذرية من علم الفطرة، ثم
هداية الرسل - على جميعهم السلام - ومعاهدة الوحي(جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا
آتَاهُمَا)المراد بهذه التثنية: نسل الأبوين، ولما فرض القصة على الزوجين ذكر
الجملة بلفظ التثنية؛ لأنهما عنهما كانت، فعبَّر جل ذكره بالأصل عن الفرع، والدليل
في قوله: (فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(190) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) .
وقد يكون المراد بقوله جلَّ قوله هنا في ضرب المثل بنفس واحدة: الماء،
وخلق منها زوجها: الأرض، فهي تنبت نباتها على ما هو عليه، ولا يظهر العصيان
في النبات ولا في الحيوان، وهو في الإنسان أظهر، بل هو الكفر والتكذيب
والعناد، وهو موضع الكثرة عنهما، فكذلك الله الواحد الأحد أوجد عن حدته كل
شيء كما أوجد عن الماء الواحد كل شيء حي ونبات، وإنما هي وسائط هي
خلق الله جل ذكره، وما يكون عنها ليس له في الوجود الأعلى أصل ترجع إليه
سوى تصريف القدرة، ومضاء المشيئة السابقة، وإحاطة العلم وإرادته، ذلك في
الموجودات على مراتبها في مسالكها المقدرة لها في تقديره الأول بعلمه السابق،
وهذه أوجه مجموعة في تفسير هذا المثل يستعان بمعرفتها على طلب فوائد القرآن
والوحي.