واختلفوا في معنى الآية فنفى قومٌ العمد أصلا ، وقال: رفع السماوات بغير عمد وهو الأقرب الأصوب ، وقال جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس: يعني ليس من دونها دعامة تدعهما ، ولا فوقها علاقة تمسكها ، وروى حمّاد بن سملة عن إياس بن معاوية قال: السماء مُقبّبة على الأرض مثل القبر ، وقال آخرون: معناه: الله الذي رفع السماوات بعمد ولكن لا ترونها ، فأثبتوا العمد ونفوا الرؤية ، وقال الفرّاء من تأوّل ذلك فعلى مذهب تقديم العرب الجملة من آخر الكلمة إلى أوّلها كقول الشاعر:
إذا أُعجبتك الدهر حال من أمرىً ... فدعه وأوكل حاله واللياليا
تُهين على ما كان عن صالح به ... فان كان فيما لا يرى الناس آليا
معناه: وإن كان فيما يرى الناس لا يألو . وقال الآخر:
ولا أراها تزال ظالمة ... تحدث لي نكبة وتنكرها
معناه: آراها لا تزال ظالمة فقدّم الجحد.
{ثُمَّ استوى عَلَى العرش} علا عليه وقد مضى تفسيره ، {وَسَخَّرَ الشمس والقمر} أي ذلّلها لمنافع خلقه ومصالح عباده {كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى} أي كلّ واحد منهما يجري إلى وقت قُدِّرَ له ، وهو فناء الدنيا وقيام الساعة التي عندها تكور الشمس ويُخسف القمر وتنكدر النجوم ، وقال ابن عباس: أراد بالأجل المُسمّى درجاتهما ومنازلهما التي ينتهين إليها لا يجاوزانها .
{يُدَبِّرُ الأمر} قال مجاهد: يقضيه وحده {يُفَصِّلُ الآيات} ينتهيان ، {لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} لكي توقنوا بوعدكم وتصدّقوه {وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض} بسطها ، {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ} جبالا ، واحدتها راسية وهي الثابتة ، يقال: إنّما رسيت السفينة ، وأرسيت الوتد في الأرض إذا أثبتّها ، قال الشاعر:
حبّذا ألقاه سائرين وهامد ... وأشعث أرست الوليدة بالفهر