هؤلاء هؤلاء.
قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) قيل:
"لولا"بمعنى؛"هلا"بما اتصلت به، والفصل به قوله: (أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) لو
كان ذلك كذلك لدخل المعنى اختلال، فإن أصل المعنى: إخبار عن آبائهم
ونفورهم عن الحق، وقد تقدم الكلام في تبيان صريح المراد بها قبل هذا فأغنى عن
إعادته، ولو كان معناها هَاهُنَا معنى"هلا"لكان بمعنى الطلب، ولكان في ظاهر ما
يأتي بعدها أو باطنه معنى جزاء وجود ما اجتلبت من أجله؛ لأنها تأتي أبدًا على
معنى الطلب مقترنًا بمعنى العتاب، لأجل عدم وجود ما كان العتاب والطلب
لأجله، كما يقال: لِمَ فعلت كذا؟ هلا فعلت كذا؟ هلا كان منك كذا فيكون لك مني
كذا؟ هذا ونحوه.
وحقيقتها والله أعلم: أن تكون على بابها لوجود حرف (لو) لامتناع وجود
الشيء لأجل وجود غيره، ثم حرف (لا) المتصل بها لنفي ما وجب كونه لأجل
امتناع ما امتنع من أجله.
تقدير الكلام: لو أنزل عليه آية من ربه لآمنا به، فلم ينزل عليه آية من ربه فلا
نؤمن كانوا في ذلك كاذبين أو صادقين.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) أي: ليس لك أن
تهديهم ولا لهم أن يهدوا أنفسهم (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) أي: نبي مرسل يريهم الهدى
وينصرهم سبيل الرشاد، ثم يهدي الله إليه من يشاء ويضل من يشاء.
أتبع ذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى ...(8) . إلى (وَسَارِبٌ
بِالنَّهَارِ (10) . هذا كله منتظم بما في صدر السورة من تعريفه العباد بنفسه
-جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه من قوله جلَّ قوله: (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ)
إلى قوله جل قوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(4) .
وفي ذلك كله أمر جل وعز بالنظر والاستدلال والاعتبار من مشاهدة إلى
غيب، وأنا المطلوب في ذلك المعبر إليه هو معرفة الله جل ذكره، واليقين بالدار
الآخرة، وتعرف وجوداتها من موجودات في هذه الدار، والتعريف بموضع المنة