والشكل الثاني أن تكون اللام للاختصاص كقولنا"لجام الفرس"أي: أن اللجام يخص الفرس ؛ فليس معقولاً أن يملك الفرس لِجَاماً .
إذن: فقول الحق سبحانه هنا: {تِلْكَ آيَاتُ الكتاب ...} [الرعد: 1]
يعني تلك آياتٌ من القرآن ؛ لأن كلمة"الكتاب"إذا أُطلِقتْ ؛ فهي تنصرف إلى القرآن الكريم .
والمثل هو القول"فلانٌ الرجل"أي: أنه رجل حقاً ؛ وكأن سُلوكه هو مِعْيار الرجولة ، وكأن خِصَال الرجولة في غيره ليست مُكْتملة كاكتمالها فيه ، أو كقولك"فلان الشاعر"أي: أنه شاعر مُتميِّز للغاية .
وهكذا نعلم أن كلمة"الكتاب"إذا أُطْلِقتْ ينصرف في العقائد إلى القرآن الكريم ، وكلمة الكتاب إذا أُطِلقت في النحو انصرفتْ إلى كتاب سيبويه الذي يضم قواعد النحو .
ويتابع سبحانه في وصف القرآن الكريم: {... والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحق ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ} [الرعد: 1]
ونعلم أن مراد الذي يخالف الحق هو أن يكسب شيئاً من وراء تلك المخالفة .
وقد قال سبحانه في أواخر سورة يوسف: {وَمَآ أَكْثَرُ الناس وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103]
ثم وصف القرآن الكريم ، فقال تعالى: {... مَا كَانَ حَدِيثاً يفترى ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111]
وهكذا نرى أن الحق سبحانه لا يريد الكَسْب منكم ، لكنه شاء أن يُنزِل هذا الكتاب لتكسبوا أنتم: {... ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ} [الرعد: 1]
أي: أن أكثر مَنْ دعوتَهُم إلى الإيمان بهذا الكتاب الحق لا يؤمنون بأنه نزل إليك من ربك ؛ لأنهم لم يُحسِنوا تأمُّل ما جاء فيه ؛ واستسلموا للهَوَى . وأرادوا السلطة الزمنية ، ولم يلتفتوا إلى أن ما جاء بهذا الكتاب هو الذي يعطيهم خير الدنيا والآخرة .
ويقول سبحانه بعد ذلك: