فَقَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعَبْدَ لَوْ أَحْسَنَ كُلَّ الْإِحْسَانِ وَكَانَ لَهُ دَجَاجَةٌ فَأَسَاءَ إِلَيْهَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، وَأَقُولُ حَاصِلُ الْكَلَامِ: أَنَّ قَوْلَهُ: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ) إِشَارَةٌ إِلَى التَّعْظِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَقَوْلَهُ: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) إِشَارَةٌ إِلَى الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ.
(وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ(22)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ)
يَدْخُلُ فِيهِ الصَّبْرُ عَلَى فِعْلِ الْعِبَادَاتِ وَالصَّبْرُ عَلَى ثِقَلِ الْأَمْرَاضِ وَالْمَضَارِّ، وَالْغُمُومِ وَالْأَحْزَانِ، وَالصَّبْرُ عَلَى تَرْكِ الْمُشْتَهَيَاتِ وَبِالْجُمْلَةِ الصَّبْرُ عَلَى تَرْكِ الْمَعَاصِي وَعَلَى أَدَاءِ الطَّاعَاتِ.
ثُمَّ إِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُقْدِمُ عَلَى الصَّبْرِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَصْبِرَ لِيُقَالَ مَا أَكْمَلَ
صَبْرَهُ وَأَشَدَّ قُوَّتَهُ عَلَى تَحَمُّلِ النَّوَازِلِ.
وَثَانِيهَا: أَنْ يَصْبِرَ لِئَلَّا يُعَابَ بِسَبَبِ الْجَزَعِ.
وَثَالِثُهَا: أَنْ يَصْبِرَ لِئَلَّا تَحْصُلَ شَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ.