وقال ابن عطاء: إنها إذ ذاك لم تستغرق في محبته بعد فلذا لم تخبر بالصدق وآثرت نفسها عليه ولهذا لما استغرقت في المحبة آثرت نفسه على نفسها فقالت: {الآن حصحص الحق} [يوسف: 51] الآية ، ثم إنه عليه السلام لم يسعه بعد تهمتها له إلا الذب عن ساحة النبوة التي هي أمانة الله تعالى العظمى فقال: {هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى} [يوسف: 26] وإلا فاللائق بمقام الكرم السكوت عن جوابها لئلا يفضحها ، وقيل: إنها لما ادعت محبة يوسف وتبرأت منها عند نزول البلاء أراد يوسف عليه السلام أن يلزمها ملامة المحبة فإن الملامة شعار المحبين ومن لم يكن ملوماً في العشق لم يكن متحققاً فيه {إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف: 28] عظم كيدهن لأنهن إذا ابتلين بالحب أظهرن مما يجلب القلب ما يعجز عنه إبليس مع مساعدة الطبيعة إلى الميل إليهن وقوة المناسبة بين الرجال وبينهن كما يشير إليه قوله تعالى: {خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1] فما في العالم فتنة أضر على الرجال من النساء {قَدْ شَغَفَهَا حُبّا} قال الجنيد قدس سره: الشغف أن لا يرى المحب جفاء له جفاء بل يراه عدلاً منه ووفاء:
وتعذيبكم عذب لدى وجوركم...
علي بما يقضي الهوى لكم عدل