وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يعلن يعقوب عليه السلام أنه لا يشكو حُزْنه وهَمَّه إلا إلى الله ، فهو القادر على كشف الضُّرِّ ؛ لأن يعقوب عليه السلام يعلم من الله ما لا يعلم أبناؤه أو أحفاده .
فقد كان يشعر بوجدانه ، وبما كان لديه من شكوك لحظة إبلاغهم له بحكاية الذئب المكذوبة أن يوسف ما زال حياً ، وأن الرُّؤيا التي حكى يوسف عنها لأبيه ، سوف يأذن الحق بتحقيقها .
ويذكر الحق سبحانه ما جاء على لسان يعقوب فيقول: {يا بنى اذهبوا ...} .
ونلحظ أن الذين غابوا هم ثلاثة: يوسف ، وبنيامين ، والأخ الأكبر الذي أصرَّ على ألاَّ يبرح مصر إلا بعد أن يأذنَ أبوه ، أو يأتي فرج من الله .
وهنا في هذه الآية جاء ذِكْر يوسف وأخيه ، ولم يَأْتِ ذِكْر الأخ الكبير أو رئيس الرحلة . ونقول: إن يوسف وأخاه هما المعسكر الضعيف الذي عانى من مناهضة بقية الأخوة ، وهما قد فارقا الأب صغاراً ، أما الأخ الأكبر فيستطيع أن يحتال ، وأن يعود في الوقت الذي يريد .
وقول يعقوب:
{اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ . .} [يوسف: 87] .
نجد فيه كلمة (تحسسوا) ، وهي من الحسِّ ، والحسُّ يُجمع على"حواس"، والحواس هي منافذ إدراك المعلومات للنفس البشرية ، فالمعلومات تنشأ عندنا من الأمور المُحسَّة ، وتدركها حواسنا لتصير قضايا عقلية .
وهكذا نعلم أن الحواس هي قنواتُ المعرفة ، وهي غير مقصورة على الحواس الخمس الظاهرة ؛ بل اكتشف العلماء أن هناك حواسَّ أخرى غير ظاهرة ، وسبق أن تعرضنا لهذا الأمر في مراتٍ كثيرة سابقة .
وقوله:
{فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ . .} [يوسف: 87] .
يعني أعملوا حواسكم ، بكل ما فيها من طاقة ، كي تصلوا إلى الحقيقة .
ونعلم أن كلمة"الجاسوس"قد أُطلِقَتْ على مَنْ يتنصَّتْ ويرى ويشُمُّ رائحة الأخبار والتحرُّكات عند معسكر الأعداء ؛ ويقال له"عين"أيضاً .