والمعنى: أنه إن أذاق الله سبحانه العبدَ نعماءَه من الصحة، والسلامة، والغنى بعد أن كانَ في ضر من فقر، أو مرض، أو خوف، لم يقابِلْ ذلك بما يليقُ به من الشكر لله سبحانه، بل يقول: ذهبت السيئات؛ أي: المصائِبُ التي ساءَتْهُ من الضر والفقر، والخوف، والمرض عنه، وزال أثَرُهَا غَيْرَ شاكرٍ لله، ولا مثن عليه بنعمة {إِنَّهُ} ؛ أي: إنَّ ذلك الإنسانَ {لَفَرِحٌ} ؛ أي: كثير الفرحِ، بَطَرًا وأَشرًا {فَخُورٌ} ؛ أي: كثيرُ الفخر على الناس، والتطاول عليهم بما يتفضل الله به عليه من النعم، وفي التعبير عن ملابسة الضر له بالمس مناسبةٌ للتعبير في جَانِب النعماء بالإذاقة، فإنَ كِلَيْهِمَا لأدنى ما يُطْلَقُ عليه اسمُ الملاقاة، وقرأ الجمهور: {لَفَرِحٌ} بكسرِ الراء، وهو قياسُ اسم الفاعل من فعل اللازم، وقرأتْ فرقةٌ: {لَفَرُحَ} بضم الراء وهي كما تقول: دنس وطمس ذكره أبو حيان.
وحاصل المعنى: ولئن كشفنا عنه الضراء التي أصابَتهُ، وحَلَّ محلَّها نعماءُ كشِفاءٍ من مرض، وزيادة قوة، وخروج من عسر إلى يُسْرٍ ونَجَاةٍ من خوف، وذلٍّ إنه ليقولن ذَهَبَ ما كان يَسُوءُني من المصائب والضراء، ولن يعودَ، وما هي إلا سحابة صيف قد تقشَّعَتْ، وعليَّ أنْ أنسَاها وأتمتَّعَ بتلك اللذَّاتِ، وإنه حينئذ لشديدُ الفرح بما يهيِّجُهُ البَطَرُ بتلك النعمة، وإنَّه ليُغالِي في الفَخْرِ والتَّعَالِي على الناس، والاحتقارِ لِمَنْ دُونَهُ فِيهَا.
والخلاصة: أنَّا إذا مَنَحْنَا هذا الإنسانَ اليؤوسَ الكَفورَ، نَعْماءَ أذقْنَاه لَذَّتَها، بَعدَ ضرَّاء مسَّتْه باقترافه أسبابَها, لم يُقابِلْهَا بشكر الله عليها، بل يَبْطَرُ ويفخَرُ على الناس، ولا يقومُ بما يَجِبُ عليه من مُواساة البائِسينَ، الفقراءِ، وعملِ الخير لبني آدَمَ كفاء ما هو متمتع به من تلك النِّعَمِ،