9 - {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ} و (اللام) فيه موطئة للقسم، والمراد: الجنسُ فشَمَلَ المؤمنَ والكافرَ بدليل الاستثناء بقوله: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا} ؛ أي: وعزتي وجلالي: لَئِن أذقنا الإنسان وأعطيناه {مِنَّا رَحْمَةً} ؛ أي: رحمةً كائنةً منا، ورحمةً صادرةً من جهَتِنا كغِنًى، وصِحَّةٍ {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ} ؛ أي: سلبناه إياها {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ} ؛ أي: لقاطع رجاءه من عود أمثالها لقِلَّةِ صبره وعدم ثقته بالله {كَفُورٌ} ؛ أي: عظيم الكفران لما سَلَفَ من النعم، وقيل: المرادُ بالإنسان جنس الكفار، ويؤيده أنَّ اليأسَ والكفرانَ، والفرحَ، والفخرَ، هي: أوصافُ أهل الكفر، لا أهل الإِسلام غالبًا، وقيل: المرادُ بالإنسان الوليدُ بن المغيرة، وقيل: عبد الله بن أبي أُميةَ المخزوميّ، والمرادُ بالرحمة هنا: النعمةُ من توفير الرِزق والصحة والسلامة من المِحَنِ.
والمعنى: والله لئن أعطينا الإنسانَ نوعًا من أنواع النِّعَم كرخَاءِ العيش وبَسْطةِ الرزق، وصحةٍ وأمن وولدٍ بارٍّ رحمةً مبتدأةً منا، أذقناهُ لَذَّتها، فكانَ شديدَ الاغتباط بِهَا ثم سلبنا ذلك بما يحدث من الأسباب التي قَدَّرها الله تعالى في الخليقة، كالمرض، والموت، والعسْر، إنّه لَيَظُلُّ في هذه الحال شديدَ اليأس من الرحمة، قاطعًا للرجاء من عود تلك النعمة، كثيرَ الكفران لغيرها من النِّعَمِ التي لا يزالُ يتمتَّع بها فضلًا عمَّا سَلَفَ مِنها.
10 -والخلاصةُ: أنَّهُ يجمع بَيْنَ اليأس بعودة ما نُزع منه، والكفر بما بقي له، لحرمانه من فضيلتي الصَّبْرِ والشكر {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ} ؛ أي: وعزتي، وجلالي: لئن أَعْطينَا الإنسَانَ {نَعْمَاءَ} ؛ أي: سعةَ رزق، وعافية، وفي التعبير بالذوق ما يدلُّ على أنه يكون منه ذلكَ عند سلب أدنى نعمةٍ ينعم الله بها عليه؛ لأن الإذاقَةَ والذوق أقل ما يُوجَد به الطعم {بَعْدَ} كشف {ضَرَّاءَ} وشدة {مَسَّتْهُ} ؛ أي: أصابته كصحَّةٍ بعد سقم، وفرَجٍ بعد شدَّةٍ {لَيَقُولَنَّ} ذلك الإنسان {ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ} ؛ أي: المصائب التي أساءتني {عَنِّي} من الضرِّ والفقر.