وَالْمَتَاعُ الْحَسَنُ عَلَى هَذَا وِقَايَةُ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَأَمْرٍ مَخُوفٍ، مِمَّا يَكُونُ فِي الْقَبْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ وَكَرْبِهَا، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، لِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: (وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ) [هود: 52] وَهَذَا يَنْقَطِعُ بِالْمَوْتِ وَهُوَ الْأَجَلُ الْمُسَمَّى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ مُقَاتِلٌ: فَأَبَوْا فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَابْتُلُوا بِالْقَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ الْمُحْرِقَةَ وَالْقَذَرَ وَالْجِيَفَ وَالْكِلَابَ.
(وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ(6)
(إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها) (عَلَى) بِمَعْنَى (مِنْ) ، أَيْ مِنَ اللَّهِ رِزْقُهَا، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ، مُجَاهِدٍ: كُلُّ مَا جَاءَهَا مِنْ رِزْقٍ فَمِنَ اللَّهِ.
وَقِيلَ: (عَلَى اللَّهِ) أَيْ فَضْلًا لَا وُجُوبًا.
وَقِيلَ: وَعْدًا مِنْهُ حَقًّا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا الْمَعْنَى فِي (النِّسَاءِ) وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَجِبُ عليه شيء .
(رِزْقُها) رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ بِالصِّفَةِ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ الْعُمُومُ وَمَعْنَاهَا الْخُصُوصُ، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الدَّوَابِّ هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يُرْزَقَ.
وَقِيلَ: هِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ دَابَّةٍ: وَكُلُّ دَابَّةٍ لَمْ تُرْزَقْ رِزْقًا تَعِيشُ بِهِ فَقَدْ رُزِقَتْ رُوحَهَا، ووجه النظم به قَبْلُ: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ بِرِزْقِ الْجَمِيعِ، وَأَنَّهُ لَا يَغْفُلُ عَنْ تَرْبِيَتِهِ، فَكَيْفَ تَخْفَى عَلَيْهِ أَحْوَالُكُمْ يَا مَعْشَرَ الْكُفَّارِ وَهُوَ يَرْزُقُكُمْ؟! وَالدَّابَّةُ كُلُّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ.
وَالرِّزْقُ حَقِيقَتُهُ مَا يَتَغَذَّى بِهِ الْحَيُّ وَيَكُونُ فِيهِ بَقَاءُ رُوحِهِ وَنَمَاءُ جَسَدِهِ.