الْأَوَّلُ: أَنَّهُ تَعَالَى جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالشَّيْءِ، وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ لِلْمُبَالَغَةِ، كَمَا تَقُولُ: صِلْ قَرَابَتَكَ وَلَا تَقْطَعْهُمْ، فَيَدُلُّ هَذَا الْجَمْعُ عَلَى غَايَةِ التَّأْكِيدِ.
الثَّانِي: أَنْ نَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا ذَكَرْتُمْ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْهَى عَنِ التَّنْقِيصِ وَيَنْهَى أَيْضًا عَنْ أَصْلِ الْمُعَامَلَةِ، فَهُوَ تَعَالَى مَنَعَ مِنَ التَّنْقِيصِ وَأَمَرَ بِإِيفَاءِ الْحَقِّ، لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَمْنَعْ عَنِ الْمُعَامَلَاتِ وَلَمْ يَنْهَ عَنِ الْمُبَايَعَاتِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنَ التَّطْفِيفِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ يَقُولُونَ إِنَّ الْمُبَايَعَاتِ لَا تَنْفَكُّ عَنِ التَّطْفِيفِ وَمَنْعِ الْحُقُوقِ فَكَانَتِ الْمُبَايَعَاتُ مُحَرَّمَةً بِالْكُلِّيَّةِ، فَلِأَجْلِ إِبْطَالِ هَذَا الْخَيَالِ، مَنَعَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُولَى مِنَ التَّطْفِيفِ وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى أَمَرَ بِالْإِيفَاءِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ثَالِثًا: (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ) فَلَيْسَ بِتَكْرِيرٍ لِأَنَّهُ تَعَالَى خَصَّ الْمَنْعَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ بِالنُّقْصَانِ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ.
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى عَمَّ الْحُكْمَ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ فَظَهَرَ بِهَذَا الْبَيَانِ أَنَّهَا غَيْرُ مُكَرَّرَةٍ، بَلْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى: (وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ) وَفِي الثَّانِيَةِ قَالَ: (أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ) وَالْإِيفَاءُ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِتْيَانِ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إِلَّا إِذَا أَعْطَى قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْحَقِّ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا عِنْدَ غَسْلِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الرَّأْسِ.