إشارة فيها أن الله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً} أي: جعل الروح ضياء يستنير به قمر القلب، كما قال الله تعالى: {وَالْقَمَرَ نُوراً} [يونس: 5] فاعلم أن الله تعالى خلق الروح نورانياً له ضياء كالشمس، وخلق القلب صافياً كالقمر قابلاً للنور والظلمة، وخلق النفس ظلمانية كالأرض، فيها وقع قمر القلب في مواجهة شمس الروح يتنور بضيائها، ومهما وقع في مقابلة أرض النفس ينعكس فيها ظلمتها، وسمي القلب قلباً لمعنيين: أحدهما: إنه خلق بين الروح والنفس فهو قلبهما. والثاني: كقلب أحواله تارة يكون نورانياً؛ لقبول فيض الروح، وتارة يكون ظلمانياً؛ لقبول ظلمة النفس، وفيه إشارة أخرى وهي: أن الشمس على صفات الربوبية ضياء يتنور به قمر القلب فيكون على نور من ربه.
{وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ} [يونس: 5] أي: لذلك النور في القلب مراتب إن كان من ضياء شمس الروح فله مراتب الأخلاق الرحمانية، وإن كان من ضياء شمس تجلي صفات الربوبية فله منازل العبودية من الزهد والتوكل واليقين والصدق والإخلاص، {لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس: 5] أي: عدد سنين المقامات وحسنات الكشوف والمشاهدات، فإن مراتب أنواع المقامات بحسب الكشوف والمشاهدات للإسلام نور ينشرح به صدر المسلم، وللإيمان نور يتنور به قلب المؤمن، وللإحسان نور يتنور به سر المحسن للكشوف وهو الولي، وللنبوة نور يتجلى به روح النبي صلى الله عليه وسلم، وللرسالة نور يتجوهر به ذات الرسول، وهذه الأنوار كلها من صفات الله تعالى فكل يشاهد بحسب نوره من هذه الأنواع، ويكاشف له الحقائق والأسرار.