وأمَّا المردود: فرجوعه بغير اختياره مغلولاً بالسلاسل والأغلال يسحبون في النار على وجوههم وهي صورة صفة قهر الله، ومن نتائج قهر الله تعلقاته بالدنيا وما فيها، واستيلاء صفات النفس عليه من الحرص والبخل والأمل والكبر والغضب والشهوة والحسد والحقد والعداوة والشره، فإن كل واحدة منهما حلقة تلك السلاسل وغل من الأغلال يسحبون إلى النار.
{وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً} [يونس: 4] أي: وعده بالرجوع إليه لجميع الخلائق حق وصدق، {إِنَّهُ يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [يونس: 4] يشير إلى أن الله تعالى إنما خلق الخلق ابتداء، وأجرى عليه الأعمال والأحوال في الدنيا من الخير؛ ليعيدهم في الآخرة بعد إفنائهم، فإن الدنيا مرزعة الآخرة وليحصدوا فيها ما زرعوه في الدنيا، فمن زرع الخير يحصد السلامة، ومن زرع الشر يحصد الندامة.
كما قال الله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} [الزلزلة: 7] وهذا معنى قوله تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ} [يونس: 4] أي: الميزان والعدل والحساب فجر الإيمان بقسط الإيمان؛ أي: بوزنه وحسب كماله ونقصانه، وجزاء العمل ببسط صدق العبد وإخلاصه وقلة العمل وكثرته: {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ} [يونس: 4] أي: أعرضوا عن الحق وطلبه والإيمان ومتابعة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم {لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ} [يونس: 4] أي: بجزاء ما كانوا يكفرون، وأيضاً بقدر ما كانوا يكفرون بنعم الله، ويصرفون في مخالفته وموافقة النفس والهوى.
ثم أخبر عن قدرته الكاملة ونعمه الشاملة بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً} [يونس: 5] إلى قوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10] .