{مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} [يونس: 3] يُشير إلى أن الله تعالى خلق العالمين الأكبر والأصغر على قوانين حكمته البالغة، وهو الذي يعلم صلاح العالمين وفسادهما يدبر فيهما كما قدر في الأزل، فلا مساغ لأحد أن يرى فيهما مصلحة دون ما رآه الله، فيشفع الله تعالى في تبديل شيء مما قدر ودبر، فإنه {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] وبالأخذ شمول نظر أن يرى ما يرى الله تعالى في مصلحة تدبير العالمين ولا مصلحة نفسه، كما قال الله تعالى: {مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} [الكهف: 51] إلا من بعد أن يأذن الله تعالى، يأذن له في الشفاعة فيما اقتضت الحكمة الأزلية تبديله بواسطة شفاعته، {ذلكمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ} [يونس: 3] أي: هو ربكم الذي قال لكم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] يوم الميثاق، قلتم: {بَلَى} وعهد إليكم {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيطَانَ} [يس: 60] {فَاعْبُدُوهُ} [يونس: 3] أي: فاعبدوه ووحدوه ولا تعبدوا غيره كما عهد إليكم، {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [يونس: 3] أي: أفلا تذكرون ذلك العهد والميثاق الذي جرى بيننا، {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} [يونس: 4] أي: جرى الميثاق على أن يكون رجوع القبول والمردود إلى حضرته:
فأمَّا المقبول: فرجوعه إليه بجذبات العناية التي صورتها خطاب: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 28] .
وحقيقتها: انجذاب القلب إلى الله نقاء.
ونتيجتها: غروب النفس عن الدنيا، واستواء الذهب والدر عندها، وانزعاج القب عمَّا سوى الله تعالى، واستغراق الروح في بحر الشوق والمحبة، والبترؤ عمَّا سوى الله، وهيمان السر وحيرته في شهود الحق ورجوعه عن الخلق.