والغمُّ من أشد وأقسى أنواع البلاء ، وكلنا نعرف قصة الإمام علي كرَّم الله وجهه وهو المشهور بالفُتْيا ، وكان الناس يستفتونه فيما يعجزون عن العثور على حل له ، واجتمع بعض من الناس وقالوا: نريد أن نجمع بعض الأشياء الصعبة ونسأله عنها لنختبره ، فلما اجتمعوا قالوا لعليٍّ كرم الله وجهه: نريد أن نستعرض كون الله تعالى ، فقد جلسنا معاً لنعرف أقوى ما خلق الله ، واختلفنا فقال كل واحد اسم القوة على حَسْب ما يراها .
لم يتروَّ على بن أبي طالب ، ولم يَقُلْ كلاماً مَسْروداً بحيث إن وقف ، لا يطالبه أحد بزيادة ، بل حدَّد من الجملة الأولى عدد القوى حسب ترتيبها وقوتها ، حتى تطابق العدد على المعدود ، وهذا دليل على أنه مُسْتحضِرٌ للقضية استحضار الواثق . وفرد أصابع يديه وقال:
أشدُّّ جنود الله عشرة: الجبال الرواسي ، والحديد يقطع الجبال ، والنار تذيب الحديد ، والماء يطفئ النار ، والسحاب المسخَّر بين السماء والأرض يحمل الماء ، والريح تقطع السحاب ، وابن آدم يغلب الريح ، يستتر بالثوب أو الشيء ويمضي لحاجته ، والسُّكْر يغلب ابن آدم ، والنوم يغلب السُّكْر ، والهمُّ يغلب النوم ، فأشد جنود الله سبحانه الهَمُّ .
هكذا قال سيدنا علي بن أبي طالب ، فالهمُ والغمُّ من أشد جنود الله تعالى ، وكان سيدنا يونس عليه السلام سبباً في أن قدَّم الله سبحانه لكل مؤمن به إلى أن تقوم الساعة مَنْجىً من الهمِّ والغمِّ بالدعاء الذي ألهمه ليونس عليه السلام في قوله تعالى:
{لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين * فاستجبنا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغم وكذلك نُنجِي المؤمنين} [الأنبياء: 8788] .