إذن: فخطأ الفلاسفة أنهم لم يقفوا عند تعقُّل أن هناك قوة من وراء المادة ، وأرادوا أن ينتقلوا من التعقُّل إلى التصور ، والتصورات ، لا تأتي بالعقل ، بل بالإخبار .
وهنا يقول الحق سبحانه:
{قُلْ يا أَيُّهَا الناس قَدْ جَآءَكُمُ الحق مِن رَّبِّكُمْ} [يونس: 108] .
والحق كما نعلم هو الشيء الثابت الذي لا يتغير أبداً ، وأن يأتي الحق من الرب الذي يتولى التربية بعد أن خلق من عدم وأمدَّ من عُدْم ، ولا يكلفنا بتكاليف الإيمان إلا بعد البلوغ ، وخلق الكون كله ، وجعلنا خلفاء فيه .
وهو إذن مأمون علينا ، فإذا جاء الحق منه سبحانه وتعالى ، فلماذا لا نجعل المنهج من ضمن التربية؟
لماذا أخذنا تربية المأكل والملبس وسيادة الأجناس؟
كان يجب إذن أن نأخذ من المربِّي سبحانه وتعالى المنهج الذي ندير به حركة الحياة ؛ فلا نفسدها .
وحين يقول الحق سبحانه:
{جَآءَكُمُ الحق مِن رَّبِّكُمْ} [يونس: 108] .
فمعنى ذلك أنه لا عُذْر لأحد أن يقول:"لم يُبلغْني أحدٌ بمراد الله"، فقد ترك الحق سبحانه العقول لتتعقل ، لا أن تتصور .
وجاء التصوُّر للبلاغ عن الله تعالى ، حين أرسل الحق سبحانه رسولاً يقول: أنا رسول من الله ، وهو القوة التي خلقت الكون ، وكان علينا أن نقول للرسول بعد أن تَصْدُق معجزته: أهلاً ، فأنت مَنْ كنا نبحث عنه ، فَقُل لنا: ماذا تريد القوة العليا أن تبلغنا به؟
ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية:
{فَمَنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ} [يونس: 108] .
لأن حصيلة هدايته لا تعود على مَنْ خلقه وهداه ، بل تعود عليه هو نفسه انسجاماً مع الكون ، وإصلاحاً لذات النفس ، وراحة بال ، واطمئناناً ، وانتباهاً لتعمير الكون بما لا يفسد فيه ، وهذا الحال عكس ما يعيشه مَنْ ضل عن الهداية .
ويقول الحق سبحانه عن هذا الصنف من الناس:
{وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [يونس: 108] .