وقد طوي ذكر صورة سحرهم في هذه الآية ، لأن الغرض من العبرة في هذه الآية وصف إصرار فرعون وملئه على الإعراض عن الدعوة ، وما لقيه المستضعفون الذين آمنوا بموسى عليه السلام من اعتلاء فرعون عليهم وكيف نصر الله رسوله والمستضعفين معه ، وكيف كانت لهم العاقبة الحسنى ولمن كفروا عاقبة السوء ، ليكونوا مثلاً للمكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم ولذلك لم يعرّج بالذّكر إلا على مقالة موسى عليه السلام حين رأى سحرهم الدالة على يقينه بربّه ووعده ، وبأن العاقبة للحق.
وذلك أهم في هذا المقام من ذكر اندحاض سحرهم تجاه معجزة موسى عليه السلام ، ولأجل هذا لم يذكر مفعول {ألقوا} لتنزيل فعل {ألقوا} منزلة اللازم ، لعدم تعلق الغرض ببيان مفعوله.
ومعنى {جئتم به} أظهرتموه لنا ، فالمجيء قد استعمل مجازاً في الإظهار ، لأن الذي يجيء بالشيء يظهره في المكان الذي جاءه ، فالملازمة عرفية.
وليس المراد أنهم جاؤوا من بقاع أخرى مصاحبين للسحر ، لأنه وإن كان كثير من السحرة أو كلِّهم قد أقبلوا من مدن عديدة ، غير أن ذلك التقدير لا يطرد في كل ما يعبر فيه بنحو: جاء بكذا ، فإنه وإن استقام في نحو {وجاءوا على قميصه بدَم كذب} [يوسف: 18] لا يستقيم في نحو {إنّ الذين جَاءوا بالإفك} [النور: 11] .
ونظم الكلام على هذا الأسلوب بجَعْللِ {ما جئتم} مسنداً إليه دون أن يجعل مفعولاً لفعللِ {سيبطله} ، وبجَعْله اسماً مُبهماً ، ثُم تفسيره بجملة {جئتم به} ثم بيانه بعطف البيان لقصد الاهتمام بذكره والتشويق إلى معرفة الخبر ، وهو جملة {إن الله سيبطله} ثم مَجيء ضمير السحر مفعولاً لفعل {سيبطله} ، كل ذلك إطناب وتخريج على خلاف مقتضى الظاهر ، ليتقرر الإخبار بثبوت حقيقة في السحر له ويتمكَّن في أذهان السامعين فَضل تمكن ويقع الرعب في نفوسهم.