وحين رأى الناس اندفاع الماء ذهبوا إلى الصحاري ، وحفروا الآبار التي أخذوا منها الماء على قَدْر حاجتهم ؛ لأنهم عرفوا أنهم ليسوا في قوة المواجهة مع الماء .
وهكذا صارت الانعزالات بين القبائل العربية ، مثلها كانت في بقية الأرض ؛ ولذلك اختلفت الداءات باختلاف الأمم ؛ ولذلك بعث الحق سبحانه إلى كل أمة نذيراً ، وهو سبحانه القائل:
{وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24] .
وقصَّ علينا الله سبحانه قصص بعضهم ، ولم يقصص قصص البعض الآخر .
يقول الحق سبحانه:
{مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} [غافر: 78] .
وهنا يقول الحق سبحانه:
{ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُمْ بالبينات} [يونس: 74] .
فهل هؤلاء هم الرسل الذين لم يذكرهم الله؟
لا ؛ لأن الحق سبحانه أرسل بعد ذلك هوداً إلى قوم عاد ، وصالحاً إلى ثمود ، وشعيباً إلى مدين ، ولم يأت بذكر هؤلاء هنا ، بل جاء بعد نوح عليه السلام بخبر موسى عليه السلام ، وكأنه شاء سبحانه هنا أن يأتي لنا بخبر عيون الرسالات .
وما دام الحق سبحانه قد أرسل رسلاً إلى قوم ، فكل قوم كان لهم رسول ، وكل رسول بعثه الله تعالى إلى قومه .
وكلمة"قوم"في الآية جمع مضاف ، والرسل جمع ، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحاداً ، مثلما نقول: هَيَّا اركبوا سياراتكم ، والخطاب لكم جميعاً ، ويعني: أن يركب كل واحد منكم سيارته .
وجاء كل رسول إلى قومه بالبينات ، أي: بالآيات الواضحات الدالة على صدق بلاغهم عن الله تعالى .
ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية:
{فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ على قُلوبِ المعتدين} [يونس: 74] .