وهكذا صار نوح عليه السلام رسولاً عامّاً بخصوصية من بقوا وهم المرسَل إليهم بخصوصية الزمان والمكان .
وهنا يقول الحق سبحانه:
{ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ} [يونس: 74] .
فهل قَصَّ الله تعالى كل أخبار الرسل عليه السلام؟ لا ؛ لأنه سبحانه وتعالى هو القائل:
{مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر: 78] .
وجاء الحق عز وجل بقصص أولي العزم منهم ، مثلما قال سبحانه:
{وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147] .
فمن أرسله الله تعالى إلى من هم أقل من مائة ألف ، فقد لا يأتي ذكره ، ونحن نعلم أن الرسول إنما كان يأتي للأمة المنعزلة ؛ لأن العالم كان على طريقة الانعزال ، فنحن مثلاً منذ ألف عام لم نكن نعلم بوجود قارة أمريكا ، بل ولم نعلم كل القارات والبلاد إلا بعد المسح الجوي في العصر الحديث ، وقد توجد مناطق في العالم نعرفها كصورة ولا نعرفها كواقع .
ونحن نعلم أن ذرية آدم عليه السلام كانت تعيش على الأرض ، ثم انساحت في الأرض ؛ لأن الأقوات التي كانت تكفي ذرية آدم على عهده ، لم تعد تكفي بعدما اتسعت الذرية ، فضاق الرزق في رقعة الأرض التي كانوا عليها ، وانساح بعضهم إلى بقية الأرض .
والحق سبحانه هو القائل:
{وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرض مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً} [النساء: 100] .
وهكذا انتقل بعض من ذرية آدم عليه السلام إلى مواقع الغيث ، فالهجرة تكون إلى مواقع المياه ؛ لأنها أصل الحياة .
ويلاحظ مؤرِّخو الحضارات أن بعض الحضارات نشأت على جوانب الأنهار والوديان ، أما البداوة فكانت تتفرق في الصحاري ، مثلهم مثل العرب ، وكانوا في الأصل يسكنون عند سد مأرب ، وبعد أن تهدم السد وأغرق الأرض ، خاف الناس من الفيضان ؛ لأن العَدُوَّين اللذين لم يقدر عليهما البشر هما النار والماء .