وهذا من إيجاز الحذف لجمل كثيرة.
وهذا يقتضي تكرر الدعوة وتكرر البينات وإلا لما كان لقوله: {فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل} وقع لأن التكذيب الذي حصل أول مرة إذا لم يطرأ عليه ما من شأنه أن يقلعه كان تكذيباً واحداً منسياً.
وهذا من بلاغة معاني القرآن.
وبذلك يظهر وقع قوله عقبه {كذلك نطبع على قلوب المعتدين} فان الطبع مؤذن بأن قلوبهم قد ورد عليها ما لو خلت عند وروده عن الطبع عليها لكان شأنه أن يصل بهم إلى الإيمان، ولكن الطبع على قلوبهم حال دون تأثير البينات في قلوبهم.
وقد جُعل الطبع الذي وقع على قلوب هؤلاء مثلاً لكيفيات الطبع على قلوب المعتدين فقوله: {كذلك نطبع على قلوب المعتدين} ، أي مثل هذا الطبع العجيب نطبع على قلوب المعتدين فتأملوه واعتبروا به.
والطبع: الختم.
وهو استعارة لعدم دخول الإيمان قلوبهم.
وتقدم في قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم} في سورة البقرة (7.
(والاعتداء: افتعال من عدا عليه، إذا ظلمه، فالمعتدين مرادف الظالمين، والمراد به المشركون لأن الشرك اعتداء، فإنهم كذبوا الرسل فاعتدوا على الصادقين بلمزهم بالكذب وقد جاء في نظير هذه الآية من سورة [الأعراف: 101] {كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين} فهذا التَّحالف للتفنّن في حكاية هذه العبرة في الموضعين. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 11 صـ}