وَأَمَّا الِاعْتِدَاءُ الَّذِي صَارَ وَصْفًا ثَابِتًا لِهَؤُلَاءِ (الْمُعْتَدِينَ) فَمَعْنَاهُ تَجَاوُزُ حُدُودِ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ اتِّبَاعًا لِهَوَى النَّفْسِ وَشَهَوَاتِهَا، فَالطَّبْعُ الْمَذْكُورُ أَثَرٌ طَبَعِيٌّ لِلْحَالَةِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي عَبَّرَ عَنْهَا بِوَصْفِ الِاعْتِدَاءِ، وَلَيْسَ عِقَابًا أُنُفًا (بِضَمَّتَيْنِ أَيْ جَدِيدًا) خَلَقَهُ اللهُ لِمَنْعِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانُوا مَعْذُورِينَ بِكُفْرِهِمْ وَلَمَا كَانَ فِيهِ عِبْرَةٌ لِغَيْرِهِمْ، بَلْ لَكَانَ حُجَّةً لَهُمْ، وَقَدْ فَهِمَتْ قُرَيْشٌ وَسَائِرُ الْعَرَبِ مَا لَمْ يَفْهَمْهُ مُتَكَلِّمُو الْجَبْرِيَّةِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا، وَهُوَ أَنَّهَا وَصْفٌ لِلْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ، وَالسَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ، وَسَنَّتُهُ تَعَالَى فِي دَوَامِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِدَوَامِ الْآخَرِ، لَا بِذَاتِهِ وَكَوْنِهِ خَلْقِيًّا لَا مَفَرَّ مِنْهُ، بَلِ الْمَفَرُّ أَمْرٌ اخْتِيَارِيٌّ مُمْكِنٌ، وَهُوَ تَرْكُ الْمُعَانِدِ لِعِنَادِهِ وَالْمُقَلِّدِ لِتَقْلِيدِهِ، إِيثَارًا لِلْحَقِّ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، فَهِمُوا هَذَا فَاهْتَدَى الْأَكْثَرُونَ بِالتَّدْرِيجِ، وَهَلَكَ الَّذِينَ اسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَغَيْرِهَا. انتهى انتهى. {تفسير المنار حـ 11 صـ 375 - 379}