فإن قال قائل: أَوَ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شك من خبر الله أنه حق يقين حتى قيل له: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) } [يونس: 94] ؟
قيل: لا، وبهذا قال جماعة من أهل العلم مثل: سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة.
فإن قال: فما وجه مخرج الكلام إذن إن كان الأمر على ما وصفت؟
قيل: قد بينا في غير موضع من كتابنا هذا استجازة العرب قول القائل منهم لمملوكه:
إن كنت مملوكي فانته إلى أمري، والعبد المأمور بذلك لا يشك سيده القائل له ذلك أنه عبده، كذلك قول الرجل منهم لابنه: إن كنت ابني فَبِرَّنِي، وهو لا يشك في ابنه أنه ابنه، وإن ذلك من كلامهم صحيح مستفيض فيهم، وذكرنا ذلك بشواهد، وأن منه قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} وقد علم جل ثناؤه أن عيسى لم يقل ذلك، وهذا من ذلك لم يكن - صلى الله عليه وسلم - شاكًا في حقيقة خبر الله وصحته، والله تعالى بذلك من أمره كان عالمًا، ولكنه جل ثناؤه خاطبه خطاب قومه بعضهم بعضًا؛ إذ القرآن بلسانهم نزل.