الآيات عود للكلام عن المشركين في تعداد قبائحهم: وهو إقدامهم على السعي في تغييرهم أحكام الله، وذلك مثل فعل اليهود والنصارى الذين غيّروا حكم الله، فكان الكلام مناسبا عن حكم قتالهم ومعاملتهم، ثم العود إلى أحكام المشركين، فصار هناك تشابه بين المشركين وبين اليهود والنصارى في تعاطي أسباب القتال، وفي إيجاب القتال.
التفسير والبيان:
يخبر الله تعالى عن أشهر السنة، فيقول: إن عدة الشهور في علمه تعالى وحكمه، وفيما كتبه الله وأوجب الأخذ به، وأثبته في نظام دورة القمر، وفي اليوم الذي خلق الله فيه السموات والأرض اثنا عشر شهرا، على هذا النحو المألوف اليوم.
والمراد: الأشهر القمرية لأن الحساب بها يسير، يعتمد على رؤية القمر، من كل الناس المتعلمين والعوام.
والمراد بقوله: فِي كِتابِ اللَّهِ، أي في كتابته ونظامه وحكمه التشريعي على وفق السنن الإلهية في نظام الكون، أو فيما أثبته وأوجبه من حكمه ورآه حكمة وصوابا. وقيل: في اللوح المحفوظ.
والمراد بقوله: يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ: الوقت الذي تمّ فيه خلقهما، وهو ستة أيام من أيام التكوين والإيجاد.
مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثلاثة سرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد
فرد وهو رجب، أي ذات حرمة وتعظيم تمتاز بها عن بقية الشهور، فقد ورد أن المعصية فيها أشد عقابا، وأن الطاعة فيها أعظم ثوابا، ولله تعالى أن يعظم بعض الأزمنة والأمكنة كما يشاء، فقد فضل البلد الحرام عن سائر البلاد، وميّز يوم الجمعة ويوم عرفة وعشر ذي الحجة عن سائر الأيام، وميز شهر رمضان وأشهر الحج عن بقية الشهور كما قال تعالى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ [البقرة 2/ 197] وإن كان ذلك محرما في سائر الشهور، وميز بعض الليالي كليلة القدر، وبعض الأشخاص بالرسالة أو النبوة.
وكان القتال محرما في هذه الأشهر الأربعة على لسان إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام، واستمر العرب على ذلك، ثم نسخت حرمتها عن عطاء الخراساني رضي الله عنه قال: أحلّت القتال في الأشهر الحرم: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وجاءت السنة مبينة حرمة الأشهر وثباتها في وقتها الصحيح،