حتى إذا سَلَخَا جمادَى سِتةً...
جَزْءا فطَال صيامُه وصِيامها
أراد جمادى الثانية فوصفه بستّة لأنّه الشهر السادس من السنة العربية.
وقرأ الجمهور {اثنا عشر} بفتح شين {عشر} وقرأه أبو جعفر {اثنا عْشَرَ} بسكون عين {عشر} مع مدّ ألف اثنا مُشْبَعاً.
والأربعة الحرم هي المعروفة عندهم: ثلاثة منها متوالية لا اختلاف فيها بين العرب وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ، والرابع فرد وهو رجب عند جمهور العرب ، إلاّ ربيعة فهم يجعلون الرابع رمضان ويسمّونه رَجَباً ، وأحسب أنّهم يصفونه بالثاني مثل ربيع وجمادى ، ولا اعتداد بهؤلاء لأنّهم شذّوا كما لم يعتدّ بالقبيلة التي كانت تُحلّ أشهر السنة كلَّها ، وهي قضاعة.
وقد بيّن إجمال هذه الآية النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجّة الوداع بقوله: {منها أربعة حرم} "ذو القعدة وذو الحجّة والمحرم ورجب مُضر الذي بين جمادى وشعبان"
وتحريم هذه الأشهر الأربعة ممّا شرعه الله لإبراهيم عليه السلام لمصلحة الناس ، وإقامة الحجّ ، كما قال تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام} [المائدة: 97] .
واعلم أنّ تفضيل الأوقات والبقاع يشبه تفضيل الناس ، فتفضيل الناس بما يصدر عنهم من الأعمال الصالحة ، والأخلاق الكريمة ، وتفضيل غيرهم ممّا لا إرادة له بما يقارنه من الفضائل ، الواقعة فيه ، أو المقارِنة له.
فتفضيل الأوقات والبقاع إنّما يكون بجعل الله تعالى بخبر منه ، أو بإطْلاع على مراده ، لأنّ الله إذا فضلها جعلها مظانّ لتطلّب رضاه ، مثل كونها مظانّ إجابة الدعوات ، أو مضاعفةِ الحسنات ، كما قال تعالى: {ليلة القدر خير من ألف شهر} [القدر: 3] أي من عبادة ألف شهر لمَنْ قبلَنا من الأمم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم