قال أبو هريرة: مر رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعب فيه عيينة (عين صغيرة) من ماء عذبة، فأعجبته، فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب؟! (أي للعبادة) ولن أفعل حتى استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما، ألا تحبون أن يغفر الله لكم، ويدخلكم الجنة، اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة، وجبت له الجنة".
وفواق الناقة: ما بين رفع يدك عن ضرعها وقت الحلب ووضعها.
ومن هنا جاء تفضيل العلم على العبادة في جملة أحاديث، لأن منفعة العبادة للعابد، ومنفعة العلم للناس .. من هذه الأحاديث:
"فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة، وخير دينكم الورع".
"فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب".
"فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم".
ويزداد فضل العلم إذا علمه صاحبه لغيره، وتكملة الحديث السابق:
"إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير".
وفي الصحيح:"خيركم من تعلم القرآن وعلمه".
ومن هنا قرر الفقهاء: أن المتفرغ للعبادة لا يأخذ من الزكاة، بخلاف المتفرغ للعلم، لأنه لا رهبانية في الإسلام، ولأن التفرغ المتعبد لنفسه، وتفرغ طالب العلم لمصلحة الأمة.
وعلى قدر من ينتفع بعلمه ودعوته يكون أجره ومثوبته.
يقول صلى الله عليه وسلم:"من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيء".
وهكذا يكون العمل الأفضل ما كان أكثر نفعا للآخرين.
وجاء في الحديث:"أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل: سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة إلي من أن أعتكف في المسجد شهرا".
وهكذا كان كل عمل يتعلق بإصلاح المجتمع ونفعه أفضل من العمل المقصور النفع على صاحبه. وفي هذا قال صلى الله عليه وسلم:"ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟ إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة".