و"مه"كلمة زجر عن تكلف المشقة الشديدة في العبادة، وتحميل النفس فوق طاقتها. وذلك أنه بالمداومة على القليل، تستمر الطاعة وتكثر بركتها، بخلاف الكثير الشاق، وربما ينمو القليل الدائم حتى يزيد على الكثير المنقطع، أضعافا كثيرة. ولهذا استقر في فطر الناس في سائر الأمور: أن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع.
وهذا ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من الغلو في الدين والتشدد فيه، خشية أن يأتي عليه يوم يمل فيه العمل، أو تضعف طاقته عنه، بحكم الضعف البشري، فينقطع في وسط الطريق، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.
ولهذا قال عليه الصلاة والسلام:"عليكم من الأعمال بما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا".
وقال:"عليكم هديا قاصدا (أي متوسطا) فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه".
وسبب هذا الحديث ـ كما رواه بريدة ـ قال: خرجت ذات يوم لحاجة، وإذا أنا بالنبي صلى الله عليه وسلم يمشي بين يدي، فأخذ بيدي، فانطلقنا نمشي جميعا، فإذا نحن بين أيدينا برجل يصلي يكثر الركوع والسجود! فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أتراه يرائي"؟! فقلت: الله ورسوله أعلم! فترك يده من يدي، ثم جمع يديه، فجعل يصوبهما ويرفعهما، ويقول: عليكم هديا قاصدا .. الحديث.
وعن سهيل بن حنيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تشددوا على أنفسكم، فإما هلك من كان قبلكم بشديدهم على أنفسهم، وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات".
أولوية العمل المتعدي النفع على القاصر
ومن فقه الأولويات في ترجيح العمل: أن يكون أكثر نفعا من غيره. وعلى قدر نفعه للآخرين يكون فضله وأجره عند الله. ولهذا كان جنس أعمال الجهاد أفضل من جنس أعمال الحج، لأن نفع الحج لصاحبه، ونفع الجهاد للأمة، وفي هذا جاء قول الله تعالى: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله، لا يستوون عند الله، والله لا يهدي القوم الظالمين، الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله، وأولئك هم الفائزون) .
وكان الجهاد في سبيل الله أفضل عند الله وأعظم أجرا من الانقطاع للعبادة، مرات ومرات.