والنوع الثالث: هم الذين ليس لهم فهم ولا حفظ، ولا علم ولا عمل، فهم كالأرض السبخة التي لا تقبل الماء، ولا تمسكه لغيرها.
فدل هذا الحديث على أن أرفع أصناف الناس درجة عند الله وعند رسوله: هم أهل الفهم والفقه، وبعدهم أهل الحفظ، ومن هنا كان فضل"الدراية"على"الرواية"، وفضل"الفقهاء"على"الحفاظ".
وفي خير قرون الأمة ـ القرون الثلاثة الأولى ـ كانت المكانة والصدارة"للفقيه"وفي عصور الانحدار والتراجع كانت المكانة والصدارة"للحفاظ"!
لا أريد أن أقول: إن الحفظ ليس له أي قيمة مطلقا، وإن الذاكرة في الإنسان لا جدوى لها، فهذا غير صحيح. ولكن أقول: إن الحفظ هو مجرد خزن للحقائق والمعلومات، ليستفاد منه بعد ذلك. فالحفظ ليس مقصودا لذاته، وإنما هو وسيلة لغيره. والخطأ الذي وقع فيه المسلمون هو اهتمامهم بالحفظ أكثر من الفهم، وإعطاؤه أكثر من حقه وقدره.
ولهذا نجد مبالغة في تكريم حفاظ القرآن الكريم، على ما لذلك من فضل، حتى إن مسابقات تعقد في عدد من الأقطار، تقدم فيها جوائز قيمة، تبلغ عشرات الآلاف للشخص الواحد، وهذا أمر مقدر ويشكر.
ولكن لم يرصد مثل هذه الجوائز ولا نصفها ولا ربعها للنابغين في العلوم الشرعية المختلفة من التفسير والحديث والفقه وأصوله والعقيدة والدعوة، مع أن حاجة الأمة إلى هؤلاء أكثر، ونفعهم أعظم وأغزر.
ومما يعاب به التعليم العام في أوطاننا: أنه يعتمد على الحفظ و"الصم"لا على الفهم والهضم. ولهذا ينسى المرء غالبا ما تعلمه بعد أداء الامتحان، ولو أن ما تعلمه كان مبنيا على الفهم والفقه والتمثل لرسخ في ذهنه، ولم يتعرض بهذه السرعة للزوال.
أولوية المقاصد على الظواهر
ومما يدخل في"الفقه"المراد: الغوص في مقاصد الشريعة، ومعرفة أسرارها وعللها، وربط بعضها ببعض، ورد فروعها إلى أصولها، وجزئياتها إلى كلياتها، وعدم الاكتفاء بالوقوف عند ظواهرها، والجمود على حرفية نصوصها.