أما مصالح الدارين وأسبابها ومفاسدهما فلا تُعرف إلا بالشرع، فإن خفي منها شيء طُلِب من أدلة الشرع، وهي الكتاب والسُنَّة والإجماع والقياس المعتبر والاستدلال الصحيح، وأما مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها فمعروفة بالضرورات والتجارب والعادات والظنون المعتبرات، فإن خفي شيء من ذلك طُلِب من أدلته، ومن أراد أن يعرف المتناسبات والمصالح والمفاسد راجحهما ومرجوحهمافليعرض ذلك على عقله، بتقدير أن الشرع لم يرد به، ثم يبني عليه الأحكام، فلا يكاد حكم منها يخرج عن ذلك، إلا ما تعبَّد الله به عباده، ولم يقفهم على مصلحته أو مفسدته، وبذلك تعرف حسن الأعمال وقبحها، مع أن الله عز وجل، لا يجب عليه جلب مصالح الحسن، ولا درء مفاسد القبيح، كما لا يجب عليه خلق ولا رزق ولا تكليف ولا إثابة ولا عقوبة، وإنما يجلب مصالح الحسن ويدرأ مفاسد القبيح طَوْلاً منه على عباده وتفضلاً.
المقصد من كتاب قواعد الأحكام
قال الإمام ابن عبد السلام في بيان المقصد من كتابه:
"الغرض بوضع هذا الكتاب: بيان مصالح الطاعات والمعاملات وسائر التصرفات ليسعى العباد في تحصيلها، وبيان مقاصد المخالفات ليسعى العباد في درئها، وبيان مصالح العبادات ليكون العباد على خبر منها، وبيان ما يُقدَّم من بعض المصالح على بعض، وما يُؤخَّر من بعض المفاسد على بعض، وما يدخل تحت اكتساب العبيد دون ما لا قُدرة لهم عليه ولا سبيل لهم إليه، والشريعة كلها مصالح: إما تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح، فإذا سمعتَ الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا) فتأمل وصيته بعد ندائه، فلا تجد إلا خيراً يحثك عليه أو شراً يزجرك عنه، أو جمعاً بين الحث والزجر، وقد أبان في كتابه ما في بعض الأحكام من المفاسد حثاً على اجتناب المفاسد، وما في بعض الأحكام من المصالح حثاً على إتيان المصالح".
الموازنة بين المصالح بعضها وبعض
وفقه الأولويات هذا يرتبط بأنواع أخرى من الفقه نبهنا على أشياء منها في بعض ما كتبناه من قبل.
فهو يرتبط بـ"فقه الموازنات"، وقد تحدَّثتُ عنه في كتابي"أولويات الحركة الإسلامية"، ونقلت عن شيخ الإسلام ابن تيمية فيه كلاماً نافعاً.
وأهم ما يقوم عليه فقه الموازنات: