فرد عليه العباس: وأنا معي سقاية الحاج ، ولو شئت ألا أسقي أحدا لا ستطعت . ومر الإمام علي كرم الله وجهه عليهما وهما يتفاخران ، فلما سمع كلامهما قال: ما أدري ما تقولان لقد صليت ستة أشهر قبل الناس ، وأنا صاحب الجهاد فنزلت الآية:
{أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج وَعِمَارَةَ المسجد الحرام كَمَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ الله لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله} [التوبة: 19] .
ولم يكد العباس يسمع هذه الآية حتى قال:"إنَّا قد رضينا ، إنَّ قد رضينا"، قال ذلك لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي حكم ، وفي هذا القول إشارة إلى أن المفاخرة التي كانت بين العباس وطلحة لم تكن في موضعها .
وكلمة {عِندَ الله} في الآية الكريمة تفيد: أن المقاييس عند الله تختلف عن المقاييس عند البشر ؛ لأن المقاييس عادة تختلف حتى بين الناس ، فلك مقاييس وللناس مقاييس . وقد تجامل نفسك في مقاييسك . وقد يجاملك الناس في مقاييسهم ، أو قد يقسون عليك . وكل مقياس يكون فيه هوى ؛ لأن كل إنسان إنما يؤثر نفسه . وكل إنسان يحاول أن يأخذ كل شيء . ولكن المقاييس التي لا هوى فيها والتي ليس فيها إلا العدل المطلق هي مقاييس الله ، ولذلك نجدها تَجُبُّ كل شيء ، وليس فيها أي فرصة للطعن .
ثم يذيل الحق سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله:
{والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين} [التوبة: 19] .
وهذه أوجدت الحل لمشكلات متعددة يثيرها بعض الناس حول الهداية ، وكيف أنها من الله سبحانه وتعالى وليست من العبد لقوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ} [القصص: 56] .
نقول: نعم ، إن مشيئة الهدى من الله سبحانه وتعالى ، لكنه سبحانه قد أوضح لنا من لا يدخلهم في مشيئة هديه ، فقال: {والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين} [البقرة: 264] .