فالذين لا يؤمنون بالآخرة نفذت فيهم سنة الله، في أن تصبح أعمالهم وشهواتهم مزينة لهم حسنة عندهم، فهم يعمهون لا يرون ما فيها من شر وسوء، حائرون لا يهتدون فيها إلى صواب، وعاقبتهم الخسران وسوء العذاب في الدنيا والآخرة: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) } [النمل: 4، 5] .
إن الذين لا يؤمنون بالآخرة يعيشون في عذاب كما يعيشون في ضلال، فالذي يعيش بلا عقيدة في الآخرة يعيش في عذاب نفسي لا أمل له ولا رجاء في إنصاف ولا عدل ولا جزاء ولا عوض عما يلقاه في هذه الحياة.
وفي الحياة مواقف مخيفة، وابتلاءات جسيمة، لا يقوى الإنسان على مواجهتها إلا وفي نفسه رجاء الآخرة، وثوابها للمحسن، وعقابها للمسيء، وابتغاء وجه الله والتطلع إلى رضاه في ذلك العالم الاخر، الذي لا تضيع فيه صغيرة ولا كبيرة.
والذي يحرم هذه النافذة المضيئة، الندية المريحة، يعيش بلا ريب في العذاب والضلال في الدنيا والآخرة، فماذا عند الكفار من النعيم والسرور: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (8) } [سبأ: 8] .
وفي يوم القيامة يجمع الله جميع الخلائق في جميع الأجيال والقرون، ولا يتأخر منهم أحد: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} [التغابن: 9] .
ويعرض الخلق كلهم على ربهم: {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) } [الكهف: 48] .
ويحضر هذا الجمع العظيم الملائكة، وعددهم لا يعلمه إلا الله، ويصفون جميعاً صفوفاً محيطة بالخلق كما قال سبحانه: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) } [الفجر: 22] .
والسموات السبع العظيمة مملوءة بالملائكة، وحملة العرش ومن حوله، كل هؤلاء يحضرون لفصل القضاء بين الناس.