إن حياة البشر لا تستقيم على منهج الله ما لم تطمئن قلوبهم إلى أن جزاءهم على الأرض ليس هو نصيبهم الأخير، وما لم يتق المسلم المحدود العمر إلى أن له حياة أخرى أدوم وأسعد، تستحق أن يجاهد لها، وأن يضحي لنصرة الحق والخير معتمداً على ما وعده الله من العوض فيها.
والإيمان بالحياة الآخرة نعمة يفيضها الإيمان على القلب، ونعمة يهبها الله للفرد الفاني العاني المحدود الأجل.
وما أغلق أحد على نفسه هذا المنفذ إلا وحياته ناقصة، أو مطموسة، أو مضطربة.
فالإيمان بالآخرة فوق أنه إيمان بعدل الله المطلق، وجزائه الأوفى، هو ذاته باعث للحيوية في النفس دافع لها نحو الدار الباقية، والمنازل العالية، والنعيم المقيم.
والإيمان باليوم الآخر نعمة يفيض السلام منها على روح المؤمن وعالمه، وينفي عنه القلق والسخط والقنوط.
فالحساب الختامي للبشرية ليس في هذه الأرض، والجزاء الأوفى ليس في هذه العاجلة: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) } [الغاشية: 25 - 26] .
فلا قلق على الأجر إذا لم يوف في هذه العاجلة، فسوف يوفاه قطعاً بميزان الله غداً تاماً كاملاً أحوج ما يكون إليه.
ولا قنوط كذلك من العدل إذا توزعت الحظوظ في رحلة الحياة الدنيا على غير ما يريد ويراه الإنسان، فالعدل لا بد واقع في الدار الآخرة، وحين يحكم الله
وحده بين عباده فهناك العدل والفضل والكرم: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) } [النساء: 40] .
والإيمان باليوم الآخر، حاجز عن الصراع والمنافسة في حطام الدنيا وملذاتها، والخوض في الحرمات والمحرمات، بلا تحرج ولا حياء.
فهناك الدار الآخرة فيها عطاء، وفيها غناء، وفيها عوض عما يفوت.
والإيمان بالآخرة يخفف من السعار الذي ينطلق من الشعور بأن الفرصة الوحيدة المتاحة هي فرصة هذ العمر القصير المحدود، فيطمئن قلبه أن النعيم الأوفى والأدوم ينتظره في الآخرة.