فعلمنا بهذا أن الأمرَ يختلفُ بحسب اختلافِ الأحوالِ، فإنْ كانَ في المسلمينَ كَثْرَةٌ وقُوَّةٌ، فالأَوْلى للإمامِ أَن يبعثَ السَّرايا في كُلِّ ناحيةٍ من نواحي المشركينَ؛ ليعلمَهُمْ بالجِهاد والنِّكايَةِ، فإنْ كانَ المسلمونَ دونَ ذلكَ، خَصَّ بِالقتال الذين يلونَهُ، وبدأ بالأَهَمِّ فالأَهَمِّ من قتالِهم؛ كما فعل ذلكَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - والخلفاءُ من بعدِهِ - رضيَ اللهُ تَعالى عنهم - .
170 -171 (16 - 17) قوله عَزَّ وجَلَّ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التوبة: 38 - 39] .
* اختلفَ الناسُ في هذهِ الآيةِ.
فقالَ قومٌ: إنها منسوخةٌ بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة: 122] , ونُسبَ إلى ابنِ عباسٍ، والحسنِ، وعِكْرِمَةَ - رضي الله تعالى عنهم - .
وقالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا نزلتْ هذهِ الآيةُ، اشتدَّ شأنُها على الناسِ، فنسخها اللهُ سبحانه، وأنزل: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى} [التوبة: 91] .
وقيل: إنها محكمةٌ مخصوصةٌ بحالةِ الحاجةِ إلى كافَّتِهم، والمعنى: إلَّا تّنْفِروا إذا احْتِيجَ إلى كافَّتِكم، يُعَذِّبْكُمْ.
ويأتي ها هنا تأويلٌ يرتفعُ به التَّعارُضُ والإشكالُ، وهو أنْ يقولَ: إنّ النَّفْرَ واجبٌ على الكافَّةِ منَ المؤمنين إذا نَفَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وواجِبٌ على بعضِهم إذا لم ينفرْ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ؛ بدليلِ قولهِ تعالى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِه} [التوبة: 120] .
وقد قَدَّمْتُ أنَّ هذا مذهبُ جماعةٍ من السَّلَفِ.