ولكنَّ التخصيصَ بحالةِ الحاجةِ أشَدُّ وأَقْوى، وهوَ وإنْ كانَ باستِنْفارٍ واستِدْعاءٍ، فإنَّ الغزوةَ، وهي غزوةُ تبوكَ، تَسْتَدعي نَفْرَ الكافَّةِ؛ لبعدِها، وكثرةِ عَدوِّها، وعلى هذا فاحملْ جميعَ ما يأتي منْ هذا الباب مثل قوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة: 41] وما أشبهها.
(من أحكام الصدقة)
172 - (18) قوله عَزَّ وجَل: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] .
* أقول: خَصَّ اللهُ سبحانَهُ الصَّدقاتِ لهؤلاءِ الأصنافِ الثَّمانيةِ، فلا يجوزُ لغيرِهم.
وقد بَيَّنَهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بنحو هذا لَمَّا سأَلهُ رَجُلانِ الصدقَةَ، فَصَعَّدَ بصرَهُ إليهِما وصَوَّبَهُ، ثم قال:"أُعطيكُما بعدَ أَنْ أعْلِمَكُما أَنْ لا حَظَّ فيها لِغَنِيٍّ، ولا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ"، أو كما قال.
* واتفقَ أهلُ العلمِ على بقاءِ الحَظِّ للأصنافِ كُلِّها، ما خلا
المُؤَلَّفَةَ، فإنهم اختلفوا في بقاءِ سَهْمِهِمْ.
فذهبَ مالكٌ والشافعيُّ إلى أنه لا مؤلفةَ اليومَ، وقد قطعهم عمرُ - رضيَ اللهُ تَعالى عنه - ، وقال: أَمَّا اليومَ، فقدْ أعزَّ اللهُ الإِسلامَ، فلا نُعطي على الإِسلامِ شيئًا، وكذا عثمانُ وعليٌّ - رضيَ اللهُ تَعالى عنهم - .
وقال أبو حنيفةَ ببقاءِ سَهْمِهِم.
* ثم اختلفوا في حقيقةِ الإضافةِ إلى الأَصْنافِ:
فرأى قومٌ، منهمُ: الحَسَنُ، وإبراهيمُ، وعَطاءٌ، والضَّحَّاكُ، وابنُ جُبَيْرٍ: أن مَعْناها بيانُ مَحَلِّ الصدقاتِ فقط، لا حقيقةُ الاستحقاقِ على التَّعيينِ.
ويروى عن عمرَ، وعليّ، وابنِ عباس، وحذيفةَ - رضي الله تعالى عنهم - .
وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ.
كأنهم التفتوا إلى المعنى الذي شُرِعَتْ له، وهو أنَّ المقصودَ بها سَدُّ الخَلَّةِ، ودَفْعُ الحاجَة، وهذا المعنى موجودٌ في الصنفِ الواحد.
ورأى قومٌ منهمْ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والزهريُّ، وعكرمةُ: أن معناها حقيقةُ الاستحقاقِ، وبه قالَ الشافعيُّ.
فإن قيل: فإنه يترجَّحُ من ثلاثةِ أَوْجُهٍ: