على حق نفسه كما في الكَشَّاف فمراده بيان وجه حصر الخشية عَلَى الله تَعَالَى. والحاصل أن
الْمُرَاد بالخشية الخشية الاختيارية؛ إذ الاضطرارية لا تدخل تحت التكليف وإلى هذا أشار
الْمُصَنّف بقوله (فإن الخشية من المحاذير جبلية لا يكاد العاقل يتمالك عنها) .
قوله: (ذكره بصيغَة التوقع) مع أن ذكر الْمُؤْمنينَ باسم الإشَارَة بعد التوصيف
بأوصاف مرضية يقتضي بحسب الظَّاهر أن يكُونُوا من المهتدين مثل قَوْلُه تَعَالَى:
(أُولَئكَ عَلَى هدى منْ رَبّهمْ) الآية. لكن توسيط كلمة عسى [المفيدة]
للطمع والرجاء لما ذكره الْمُصَنّف(قطعًا لأطماع الْمُشْركينَ في الاهتداء والانتفاع
بأعمالهم وتوبيخًا لهم بالقطع)قوله لأطماع جمع طمع. قوله في الاهتداء أي في
الاهتداء بالْأَعْمَال الحسنة إلَى مطالبهم وأفانين النعم العلية ونبه عَلَى كون المراد
الاهتداء الْمَذْكُور بقوله والانتفاع بأعمالهم وليس الْمُرَاد الاهتداء إلَى الْإسْلَام فإنه لا
يناسب المقام.
قوله: (بأنهم مهتدون) كما قطعوه بادعاء تعمير المساجد وسقي الحاجين فإن ذلك
الادعاء ادعاء منهم بأنهم مهتدون إلَى مباغيهم من الانتفاع بتلك الْأَعْمَال.
قوله: (فإن هَؤُلَاء مع كمالهم) أي كمالاتهم العلمية والعملية.
قوله: (إذا كان اهتداؤهم) أي إلَى مقاصدهم والانتفاع بأعمالهم.
قوله: (دائرًا بين عسى) كما وقع هنا.
قوله: (ولعل) كما وقع في مَوْضع آخر كقَوْله تَعَالَى: (لَعَلَّكُمْ تُفْلحُونَ) .
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: فإن الخشية عَلَى المحاذير إلَى آخره. جواب عَمَّا عسى يسأل ويقال: كَيْفَ قيل(وَلَمْ
يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ)والْمُؤْمن بل كل إنسان يخشى المحاذير لا يتمالك أن لا يخشاها لأن الخشية من
الأمور الجبلية ليس في وسع الْإنْسَان ألا يعتري عليه خشية؟ وحاصل الْجَوَاب أن الْمُرَاد بالخشية
المنفية في (وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ) هي الخشية والتَّقْوَى في باب الدين فأمر أن لا يختار [عَلَى رضاء الله تَعَالَى رضاء غيره] لتوقع خوف، وإذا اعترضه أمران حق الله وحق نفسه أن يخاف الله فيؤثر حق الله عَلَى حق
نفسه. وقيل كانوا يخشون الأصنام ويرجونها فأريد نفي تلك الخشية عنهم
قوله: قطعًا لأطماع الْمُشْركينَ، وفي الكَشَّاف قوله عز وجل:(فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ
الْمُهْتَدِينَ)تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء وحسم لأطماعهم [من] الانتفاع
بأعمالهم التي استعظموها وافتخروا بها [وأملوا] عاقبتها، بأن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل
بالشرائع مع استشعار الخشية والتقوى، اهتداؤهم دائر بين عسى ولعل، فما بال المشركين يقطعون أنهم مهتدون ونائلون عند الله الحسنى. وفي هذا الْكَلَام ونحوه لطف للمؤمنين في ترجح الخشية
على الرجاء ورفض الاغترار باللَّه. قال محيي السنة: وعسى من اللَّه واجب. أي أُولَئكَ هم المهتدون
المتمسكون بطاعة اللَّه التي تؤدي إلَى جنة. تم كلامه. قد ذكر في مواضع من الكَشَّاف أن عسى ولعل
في كلام الملوك قطع وجزم بوقوع مضمون الْكَلَام وهذا من باب الدلال والفتح يقع كثيرًا في كلام
الملوك إذا سمع أرباب الحاجات مثل ذلك في كلامهم ويقطعون بحصول المراد.