يكون إلا لشيئين مختلفين أو مؤتلفين، كما لا يجوز أن يقال كان الكلام بعد أن لم
يكن لأن هذا صفة المخلوق والمخلوقون لم يكونوا ثم كانوا، فلم يستبِن لأجل
ذلك لهم صفة كلامه ولا علمه في القدم، فعجزوا عنه لعدمهم، والعجز والاستبانة
تجري عليهم ولهم لا على علمه وكلامه، وكان الله جل ثناؤه ولم يزل آمرًا، والأمر
كلامه، ولا يكون الآمر آمرًا من غير كلام، ولا يكون المتكلم متكلمًا من غير كلام.
ولا عالمًا من غير علم، ولا خالقًا من غير خلق.
والخلق صفة ذات في الحقيقة، لكنه ترك أن يخلق ما شاء ثم خلق ما خلق إذ
شاء وصفة فعل في اللغة وصفات الفعل ترجع إلى صفات الذات، فكلام الله
جل وعز لا يدركه بالكيف البشر، وإنما يدرك أمره ونهيه بالمثالات والأمثال.
والأسماء والحروف محدثة، وبذلك استبان لهم كلامه كما تقدم وصفه، والحروف
المحدثة والأمثال والأسماء يكتبونه ليقرؤنه ويحفظونه ويتعلمونه، فيجري التغاير
على الحروف والأمثال والأسماء، وبها يستدل على كلامه تعالى وأمره ونهيه.
فقوله جل قوله: (حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) تنزل منه جل ذكره عن
حقيقة ما هو كلامه الذي هو صفة ذاته إلى ما هو مبلغ له ووصف وعبارة عنه. وقد
مضى التعارف بتحقيق قولهم متى حكى أحدهم حديث زيد وقول عمر، وقالوا: هذا
كلام زيد وقول عمر، وربما طلبوا التحقيق فيقولون: هذا نص كلام زيد، وهذا
حكاية قول عمر، وإذ المعلوم أن صفة زيد لم ينتقل عنه إلى من حكي عنه قوله.
وإذا كانت صفة زيد لا تنتقل عنه إلى سواه فصفة الله أعلى وأجل.
فعلى ما تقدم من البيان كلام الله هو الذي نتلوه بقراءتنا ونكتبه في
مضاجعنا، وهو المسموع منا في تلاوتنا بنص القرآن ودليل العقل، وهذا معترك
اقتتال أهل السنة مع المعتزلة، والقائلين بخلق القرآن، وفي فهم المعنى فصل
الخطاب (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) .
قوله جل وعز: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا...)
هذه خاصة من وصف المنافقين وإخوانهم من يهود.
ثم أتبع ذلك بخاصة من وصف أهل المسجد الحرام بقوله جل قوله: