وإنّما رتّب نبذ العهد على خوف الخيانة ، دون وقوعها ، لأن شؤون المعاملات السياسية والحربية تجري على حسب الظنون ومخائل الأحوال ولا ينتظر تحقّق وقوع الأمر المظنون لأنّه إذا تريَّث وُلاة الأمور في ذلك يكونون قد عرضوا الأمة للخطر ، أو للتورّط في غفلة وضياع مصلحة ، ولا تُدار سياسة الأمّة بما يدار به القضاء في الحقوق ، لأنّ الحقوق إذا فاتت كانت بليّتها على واحد ، وأمكن تدارك فائتها.
ومصالح الأمّة إذا فاتت تمكّن منها عدوّها ، فلذلك علّق نبذ العهد بتوقّع خيانة المعاهدين من الأعداء ، ومن أمثال العرب: خُذ اللص قبل يَأخُذَك ، أي وقد علمت أنّه لص.
وعلى سواء صفة لمصدر محذوف ، أي نبذاً على سواء ، أو حال من الضمير في (انبذ) أي حالة كونك على سواء.
و {على} فيه للاستعلاء المجازي فهي تؤذن بأنّ مدخولها ممّا شأنه أن يعتلى عليه.
و {سواء} وصف بمعنى مستو ، كما تقدم في قوله تعالى: {سواء عليهم أأنذرتهم} في سورة [البقرة: 6] .
وإنما يصلح للاستواء مع معنى (على) الطريق ، فعلم أن سواء وصف لموصوف محذوف يدلّ عليه وصفه ، كما في قوله تعالى: {على ذات ألواح} [القمر: 13] ، أي سفينة ذات ألواح.
وقوله النابغة:
كما لقيت ذاتُ الصَّفا من حليفها
أي الحية ذات الصفا.
ووصف النبذ أو النابذ بأنّه على سواء ، تمثيل بحال الماشي على طريق جادّة لا التواء فيها ، فلا مخاتلة لصاحبها كقوله تعالى:
{فقل آذنتكم على سواء} [الأنبياء: 109] وهذا كما يقال ، في ضدّه: هو يتبعُ بنيات الطريق ، أي يراوغ ويخاتل.
والمعنى: فانبذ إليهم نبذاً واضحاً علناً مكشوفاً.
ومفَعول (انبذ) محذوف بقرينة ما تقدّم من قوله: {ثم ينقضون عهدهم} [الأنفال: 56] وقوله: {وإما تخافنّ من قوم خيانة} أي انبذ عهدهم.