ولا شك أن كون الإنسان آتياً بالأعمال الصالحة أمر مشكوك فيه ، والشك في أحد أجزاء الماهية يوجب الشك في حصول تلك الماهية ، فالإنسان وإن كان جازماً بحصول الاعتقاد والإقرار ، إلا أنه لما كان شاكاً في حصول العمل كان هذا القدر يوجب كونه شاكاً في حصول الإيمان ، وأما عند أبي حنيفة رحمه الله ، فلما كان الإيمان اسماً للاعتقاد والقول ، وكان العمل خارجاً عن مسمى الإيمان ، لم يلزم من الشك في حصول الأعمال الشك في الإيمان.
فثبت أن من قال إن الإيمان عبارة عن مجموع الأمور الثلاثة يلزمه وقوع الشك في الإيمان ، ومن قال العمل خارج عن مسمى الإيمان يلزمه نفي الشك عن الإيمان ، وعند هذا ظهر أن الخلاف ليس إلا في اللفظ فقط.
وأما المقام الثاني: وهو أن نقول: إن قوله: أنا مؤمن إن شاء الله ليس لأجل الشك ، فيه وجوه: الأول: أن كون الرجل مؤمناً أشرف صفاته وأعرف نعوته وأحواله ، فإذا قال أنا مؤمن ، فكأنه مدح نفسه بأعظم المدائح.
فوجب أن يقول: إن شاء الله ليصير هذا سبباً لحصول الانكسار في القلب وزوال العجب.
روي أن أبا حنيفة رحمه الله ، قال لقتادة: لم تستثني في إيمانك.
قال اتباعاً لإبراهيم عليه السلام في قوله:
{والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين} [الشعراء: 82] فقال أبو حنيفة رحمه الله: هلا اقتديت به في قوله: {أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى} [البقرة: 260] وأقول: كان لقتادة أن يجيب ، ويقول: إنه بعد أن قال: {بلى} قال: {ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى} فطلب مزيد الطمأنينة ، وهذا يدل على أنه لا بد من قول إن شاء الله.
الثاني: أنه تعالى ذكر في هذه الآية أن الرجل لا يكون مؤمناً إلا إذا كان موصوفاً بالصفات الخمسة ، وهي الخوف من الله ، والإخلاص في دين الله ، والتوكل على الله ، والإتيان بالصلاة والزكاة لوجه الله تعالى.